للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج:
ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

[التفاؤل. . .!]

للأستاذ عمر الدسوقي

واحسر تاه على هؤلاء الذين حرموا سعادة التمتع بالوجود، ورأوا الدنيا دار شقوة وعذاب، وأن العالم يغص بالشر يكمن لهم في كل ثنية، ويطالعهم في وجه كل إنسان، ويرددون مع ابن الرومي قوله:

لما تؤذن للدنيا به من صروفها ... يكون بكاء الطفل ساعة يولد

وإلا فما يبكيه منها وإنها ... لأفسح مما كان فيه وأرغد

ويتندمون على أنهم تنسموا هواء هذه الحياة فيما فيها إلا إفك وبهتان، وخب وخداع، وأمراض وآلام، لا يحقق فيها رجاء، أو تصفو فيها مسرة، ويقولون مع أبي الطيب أولاً:

وما الدهر أهل أن تؤمل عنده ... حياة وأن يشتاق فيه إلى النسل

ومع أبى العتاهية ثانياً:

ما زالت الدنيا لنا دار أذى ... ممزوجة الصفو بألوان القذى

إن أصابهم خير قالوا: ضحك القدر الساخر، يمد في أسباب النعمة الزائلة، لتكون جراحاته أشد إيلاماً أنكى وقعاً، وأمض للنفوس لا تؤمن غواثله، ولا تكف عواديه. وإن مسهم شر ظاهر برموا بالحياة وودوا لو عجلتهم المنية؛ وطففت ألسنتهم تقذف بالسباب للدهر، والسخط على القدر والناس طراً، وتنم عن قلوب مشحونة بالغيظ والحسد واليأس، والناس عندهم أحلاس مكر ونفاق، فليس الحديث إلا أحبولة طامع وشرك منافق، والاقتصاد في زخرف القول خشونة معتد واعتداد قوي

إذا ما الناس جربهم لبيب ... فإني أكلتهمُ وذاقاً

فلم أر فيهمُ إلا خداعاً ... ولم أر بينهم إلا نفاقاً

هكذا يقول المتنبي في بعض سخطاته على العالم لأنه لم ينله طلبته ويبلغه أمنيته، بل نراه يحرص على الانتقام من البشرية:

ومن عرف الأيام معرفتي بها ... وبالناس روى رمحه غير راحم

فليس بمرحوم إذا ظفروا به ... ولا في الردى الجاري عليهم بآثم

والأرض وما فيها من زهر فواح، وبحر رقراق، ونسيم عليل، وسماء صافية، وشمس

<<  <  ج:
ص:  >  >>