للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج:
ص:  >  >>

[على هامش النقد]

غفلة النقد في مصر

للأستاذ سيد قطب

في تقديري إن الضجة المفتعلة التي أثيرت حول ذلك الكتاب المريب، كتاب الشيخ عبد الله القصيمي، والتي أنزلق فيها بعض الكبار مخدوعين بما صوره لهم المؤلف من مخاوف تحيط به وبكل تفكير حر في المملكة السعودية، هذه المخاوف التي تدنيه من حبل المشنقة بسبب كتابه. . . إلى آخر ما أجاد المؤلف تمثيله من الأدوار. . .

في تقديري أن هذه الضجة وذلك الانزلاق فضيحة أدبية لمصر، وقد تؤخذ دليلاً على غفلة النقد فيها إلى حد مخجل.

ولقد قُدِّم إلىَّ هذا الكتاب، وأديرت على سمعي (الاسطوانة) التي أديرت على أسماع الكثيرين، وتأثرت ساعتها وتحمست؛ فحياة كاتب ليست بالشيء الهين؛ وإهدار هذه الحياة بسبب رأي أو فكرة مسألة لا يحتملها القرن العشرون فوق ما في الفكر الإسلامي من سماحة تبرئه إلى الجنوح بطريقة محاكم التفتيش.

ولكنني حين عدت فقرأت الكتاب بردت هذه الحماسة، وفتر ذلك التأثر؛ لأنني لم أجد إلا كاتباً مربياً، يتناول مسائل ميتة في الغالب، ومشاكل محلوله - حلها الزمن في البيئة الإسلامية منذ نصف قرن على الأقل - ويزيد عليها فكرة مسروقة بنصها وبجزيئاتها وبشواهدها من كاتب شاب يعيش وكتابه حديث الصدور لك يبعد به الزمن فينسى. . . ليتخذ من ذلك كله ستاراً طويلاً عريضاً يلف به دعوة غير نظيفة، للاستعمار والمستعمرين.

ولم أشعر أن الرجل في خطر، فأمثال هؤلاء يعرفون طريقهم جيداً - كما قلت في مرة؛ ولا خوف عليهم من الشنق ولا غيره. ولو كانوا يعرفون أن الشنق ينتظرهم حقاً، لما أقدموا على فعلتهم؛ لأن الحياة على كل حال أغلى من كل ثمن سواها قد يأتي به الكتاب!

ووجدت أنه من المهانة للفكر أن أنزلق فأكتب عن كتاب تافه مريب مسروق كهذا الكتاب، يسلك صاحبه هذا الأسلوب في الاحتيال لبعث الاهتمام به، وإثارة الضجة حوله؛ كما أنه يثبت على غلافه شهادة من نفسه لنفسه، هذه الجملة المتبجحة: (سيقول مؤرخو الفكر: إنه

<<  <  ج:
ص:  >  >>