للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج:
ص:  >  >>

[بمناسبة الذكرى الثالثة]

علي طه وبيرون

للأستاذ أنور المعداوي

هكذا كان ينظر إلى حياته فيما قبل الثلاثين. لقد كانت تلك الحياة في رأيه أو رأى شعوره هذرا وتفاهات، لأنها قد خلت مما يبهج القلب ويؤنس الروح وغدت وهي دموع وزفرات؛ وجوهر شخصيته كما قلنا لك أنه لم يخلق للقيود وإنما خلق للحرية، ولم يخلق للدموع وإنما خلق للبسمات. . . وما كان أشبهه بالشاعر الإنجليزي (بيرون) في هذه الناحية النفسية أو في هذا المجال؛ لقد كانت الفكرة السائدة عند بعض كتاب التراجم عن هذا الشاعر هي هذه الفكرة المنحرفة حين يقولون: (لقد كانت طبيعة بيرون الحق أنه إذا حزن وتألم فاض بالشعر قلمه في سهولة وقوة وعذوبة، وأنه إذا سعد وهدأت ثورته هدأ الوحي بهدوء نفسه وبضعف ثورته، وأنه قد ظل على هذا الحال طوال حياته فسجلت أيام الشقاء أروع قصائد وأجدرها بالخلود!)

ولقد صححنا تلك الفكرة المنحرفة في الصفحة الثالثة والأربعين من كتابنا (نماذج فنية) حيث ورد في معرض السؤال هذا الجواب: (هذه الفكرة تنطبق كل الانطباق على طبيعة شاعر مثل هنري هايني وتبعد كل البعد عن طبيعة شاعر مثل لورد بيرون. إن الألم في حياة الشاعر الإنجليزي لم يكن ألما بالمعنى المفهوم عند الشاعر الألماني، ولكنه كان لونا من السخط على الحياة يزول وينقضي حين تفسح الحياة طريقها للفتى المدلل ليمضي إلى غيه وهواه! وما أكثر ما تنحت الحياة عن طريقه وهيأت له كل ما يصبو إليه من تحرر وانطلاق، وفي رحاب هذا التحرر كانت تنبعث أغانيه حلوه عميقة صادقة. لقد خلق بيرون وفي دمه طبيعة بلبل لا يجيد التغريد إلا إذ رأى النور خلف حجب الضباب سمعت منه بعض الغناء، ولكنه الغناء المختنق ينبعث من أوتار حنجرة ساخطة، ثائرة، تشكو هذا الظلام الذي لا يتيح لها أن تصدح كما تشاء!

من هذه الكلمات الموجزة تستطيع أن تضع يديك على مفتاح هذه الشخصية التي لا غموض فيها ولا تعقيد، يقول بيرون: لقد هببت من نومي ذات صباح فألفيتني مشهورا يتردد اسمي على كل لسان. قالها بعد أن دفع بديوان شعره الأول إلى الناشرين فدفعوا به

<<  <  ج:
ص:  >  >>