للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج:
ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

[دموع]

من رسائل (الطائشة)

للأستاذ مصطفي صادق الرافعي

ورسائل هذه الطائشة إلى صاحبها، تقرأ في ظاهرها على أنها رسائل حب، قد كتبت في الفنون التي يترسل بها العشاق؛ ولكن وراء كلامها كلاماً آخر، تقرأ به على أنها تاريخ نفس ملتاعة لا تزال شعلة النار فيها تتنمى وترتفع؛ وقد فدحتها الحياة إذ حصرتها في فن واحد لا يتغير، وأوقعتها تحت شرط واحد لا يتحقق، وصرفتها بفكرة واحدة لا تزال تخيب

وأشدّ سجون الحياة فكرة خائبة يسجن الحي فيها، لا هو مستطيع أن يدعها، ولا هو قادر أن يحققها؛ فهذا يمتد شقاؤه ما يمتد ولا يزال كأنه على أوله لا يتقدم إلى نهاية؛ ويتألم ما يتألم ولا تزال تشعره الحياة أن كل ما فات من العذاب إنما هو بدأ العذاب

والسعادة في جملتها وتفصيلها أن يكون لك فكر غير مقيد بمعنى تتألم منه، ولا بمعنى تخاف منه، ولا بمعنى تحذر منه. والشقاء في تفصيله وجملته انحباس الفكر في معاني الألم والخوف والاضطراب

وقد اخترنا من رسائل (الطائشة) هذه الرسالة المصورة التي يبرق شعاعها وتكاد تقوم بازاء نفسها كالمرآة بازاء الوجه. وهي فيها عذبة الكلام من أنها مرّة الشعور، متسقة الفكر من أنها مختلة القلب، مسددة النطق من أنها طائشة النفس. وتلك إحدى عجائب الحب؛ كلما كان قفراً ممحلاً اخضرت في البلاغة وتفننت والتفت، وعلى قلة المتعة من لذاته تزيد فيه المتعة من أوصافه. ولكأن هذا الحب طبيعة تروى بالنار فتخصب عليها وتتفتق بمعانيها، كما تروى الأرض بالماء فتخصب وتتغطى بنباتها؛ فإن روى الحب من لذاته وبرد عليها، لم ينبت من البلاغة إلا أخفها وزناً وأقلها معاني، كأول ما يبدو النبات حين يتفطر الثرى عنه؛ تراه فتحسبه على الأرض مسحة لون أخضر؛ أو لم ينبت إلا القليل القليل كالتعاشيب في الأرض السبخة

إن قصة الحب كالرواية التمثيلية، أبلغ ما فيها وأحسنه وأعجبه ما كان قبل (العقدة) فإذا انحلت هذه العقدة فأنت في بقايا مفسرة مشروحة تريد أن تنتهي، ولا تحتمل من الفن إلا ذلك القليل الذي بينها وبين النهاية

<<  <  ج:
ص:  >  >>