للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج:
ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

[نقبل منهم. . .]

للأستاذ ثروت أباظة

تلقينا (الرسالة) ونحن في مجلس كأنما أعد لها، فتناولها قارئ منا وأخذ يتلو علينا مقالاتها متنقلاً بين علم وفن وأدب حتى بلغ الصفحة الأخيرة، فطوينا الرسالة - لازالت منشورة - ثم أخذنا نجيل الحديث بيننا نخفف به ثقل الوقت ونقصر طوله. وكان في شعر المجلة أبيات من شاعر إلى أبنه يبثه الأبوة الرحيمة، ويعقد به الرجاء المأمول، فقال أديب جالس:

- عجيب أمر هذه الأبوة! كانت في صدر الزمان قداسة يشرف الابن أن يتطلع إليها ويستمع إلى ممثلها كأنه إله لا يصدر في أفعاله وأقواله إلا عن الصواب المحض. وكان الأب من ناحيته يرث القسوة عن أبيه وأجداده، فيبديها لأولاده، ولو ترك لعاطفته لما بدا منه غير الرحمة. وهكذا قام الصراع في قلب الوالد بين قسوة دخيلة ورحمة أصيلة، وظلت العاطفتان تصطرعان منذ عهد الرومان أيام كان الوالد يملك الحياة والموت على أهله حتى اليوم، إذ نرى الوالد يتوجه إلى أبنه بهذا الحب الصافي وبذلك الرجاء الواسع الذي يعلقه عليه. . . وهكذا تغلبت الرحمة الموهوبة على القسوة المكسوبة، وانطلقت النفوس لا يقيدها عرف، فأبان الوالد عن خلجاته، وكشف للابن عن نبضاته، فانسجم البيت على حب ظاهر لا قسوة فيه ولا عنف. قلت: جميل أن يظهر الوالد عواطفه، وجميل أن يأخذ ولده باللين. . . ولكن إذا شب الولد عن الطوق ووالده لا يزال يأخذه بالرحمة، لا يهديه إذا ضل، ولا يعاقبه إذا زل، وأمه لا تنفك تعامله بالحنان؛ فهل يمكن أن يكون هذا الابن تكأة لوالديه عند الكبر، أو مفخرة لهما يوم الفخر؟. . .

أثبتت الأيام، وما تزال تثبت، أن هذا لا يكون وأن هذا الابن ذا المعلقة الذهبية يتمرد على أبيه إذا قدم له الطعام في ملعقة من فضة. . . فهو يستوطئ الدعة ولا يعرف من حياته غير مائدة شهية، وفراش وثير، وغيد ملاح، وكؤوس دهاق. . . فالأبوة على هذا اللين قسوة. . . إنما تتمثل الرحمة في عصا الوالد التي تقود الابن إلى السبيل الأقوم.

- لقد تحدثت فأسهبت، ولكنك أطلقت قولك كمن يلقي محاضرة لا يعرف موضوعها، فأنا حين أقول إن النفوس أرسلت على طبيعتها لم أقصد بذلك أن يضع الوالد ولده على كرسي ثم يسمعه عبارات المديح والحب. . . إن الحبيب لا يطيق هذا من حبيبه، فكيف والأمر

<<  <  ج:
ص:  >  >>