للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج:
ص:  >  >>

[٢ - الجمال البائس]

للأستاذ مصطفى صادق الرافعي

جاءت أحلى من الأمل المعترض سنحت به فرصة؛ وعلى أنها لم تخط إلينا إلا خطوة وتمامها، فقد كانت تجد في نفسها ما تجده لو أنها سافرت من أرض إلى أرض، ونقلها البعد النازح من أمة إلى أمة

يا عجباً! إن جلوس إنسان إلى إنسان بازائه قد يكون أحيانا سفرا طويلا في عالم النفس؛ فهذه الحسناء تعيش في دنيا فارغة من خلال كثيرة، كالتقوى، والحياء، والكرامة، وسمو الروح، وغيرها؛ فإذا عرض لها من يشعرها بعض هذه الخلال، وينتزعها من دنيا اضطرارها وأخلاق عيشها ولو ساعة - فما تكون قد وجدت شخصا بل كشفت عالما تدخله بنفس غير النفس التي تدبرها في عالم رزقها. . .

ولا عجب من سحر الحب في هذا المعنى؛ فأن العاشق يكون حبيبه إلى جانبه، ثم لا يحس إلا أنه طوى الأرض والسماوات ودخل جنة الخلد في قبلة. . .

جلست ألينا كما تجلس المرأة الكريمة الخفرة، تعطيك وجهها وتبتعد عنك بسائرها، وتريك الغصن وتخبأ عنك أزهاره. فرأيناها لم تستقبل الرجل منا بالأنثى منها كما اعتادت؛ بل استقبلت واجبا برعاية، وتلطفاً بحنان، وأدباً من فن بأدب من فن آخر؛ وكان هذا عجيبا منها، فكلمها في ذلك الأستاذ (ح) فقالت: أما واحدة فإننا نتبع دائما محبة من نجالسهم وهذه هي القاعدة. وأما الثانية فإننا لا نجد الرجل إلا في الندرة؛ وإنما نحن مع هؤلاء الذين يتسومون بسيما الرجال - كحيلة المحتال على غفلة المغفل، وهم معنا كالقدرة بالثمن على ما يشتريه الثمن؛ ليسوا علينا إلا قهرا من القهر؛ ولسنا عليهم إلا سلباً من السلب، مادة مع مادة؛ وشر على شر؛ أما الإنسانية منا ومنهم فقد ذهبت أو هي ذاهبة

قال (ح): ولكن. . .

فلم تدعه يستدرك، بل قالت: إن (لكن) هذه غائبة الآن. . . فلا تجيء في كلامنا. أتريد دليلا على هذا الانقلاب؟ إن كل إنسان يعلم أن الخط المستقيم هو أقرب مسافة بين نقطتين؛ ولكن امرأة منا تعلم أن الخط المعوج هو وحدة أقرب مسافة بينها وبين الرجل. . .

قالت: فإذا وجدت إحدانا رجلاً بأخلاقه لا بأخلاقها. . . ردتها أخلاقه إلى المرأة التي كانت

<<  <  ج:
ص:  >  >>