للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج:
ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

[خواطر]

للأستاذ فليكس فارس

لا أعلم ماذا عني واضع تعبير الشعر المنثور، ويخيل إليّ أن هذا الترتيب المستحدث في اللغة العربية إنما ترجم حرفيًّا عن (فير ليبر) بالفرنسية؛ غير أن المترجم التوى عليه المعنى لظنه أن كلمة (فير) تترجم بكلمة (شعر) في حين أنها لا تعني إلا المنظوم من الكلام بوزن وقافية. ولا أرى في العربية ما ينطبق على هذا التعبير الفرنسي إلا (النظم المنفرط) أو حل الشعر وإطلاقه من وزنه وقافيته لإرساله نثراً، وذلك ما يكلفه التلامذة لتسهيل فهم الشعر عليهم ولتعويدهم سبك المعنى الواحد على صور متعددة.

أما (الفير ليبر) في الأدب الأوربي فليس إلا بدعة جاء بها المتأخرون كما جاءوا بأنواع الرسم المكعب والشعر المستغرق في الرمزية، وما هي على ما اعتقد إلا ظاهرة لتقلص الأعصاب في المدنية المتعبة

وإنني لأعجب للأدباء في الغرب يضعون كلمة (فير ليبر) ولا يفطنون لما في مبناها من التناقض، فإن النظم مقيد إلزاماً، فإذا أطلق من أوزانه خرج عن صفته وأصبح نثراً

إن البيان من الفكر كلام، ومن العواطف نغمات؛ والنظم معلق بين الكلام والنغمات، يتناول من الأول نتاج الفكر، ومن الثاني خطرات الهوى؛ غير أنه أقرب إلى القلب منه إلى الدماغ، لأنه لا يقوم على حجة ودليل، بل يخاطب ما انطوى في السرائر وما يطمح الناظم إلى وضع مقدمات لاستخراج ما يريد استهواءك إليه، إذ حسبُه من بيانه أن ينفذ إلى ما استقر فيك من مقدمات إن خلت سريرتك منها انزلق عليك بيانه فإذا أنت ضاحك من بكائه، مستهزئ بشجوه وتحنانه

ما النظم المنثور الذي يسمونه شعراً منثوراً إلا بيان حائر، بل هو جنين تمخض به الخيال وضعف عن مدّه بالتكامل فلفظه مسخاً لا يصلح للحياة

إن للنثر أوزانه الخفية وبحوره التي لا ساحل لها، وللنثر الناضج موسيقاه المطلقة كأمواج البحر تتالى ولكل موجة شكلها وتعاريجها؛ ذلك لأن خطرات الفكر نبضان لا يتكرر على وتيرة واحدة في الدماغ، في حين أن النظم وهو صورة نبضان القلب لا يطلق موسيقاه إلا على نظام الوحدة في تكرار ضرباته

<<  <  ج:
ص:  >  >>