للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج:
ص:  >  >>

[النطق وكيف نشأ في الإنسان وفي الحيوانات العليا؟]

للأستاذ نصيف المنقبادي المحامي

٢ - نشوء النطق في الإنسان

التفاهم بالأصوات:

وفي الوقت نفسه استعان أفراد النوع الإنساني على التفاهم بالأصوات - فوق لغة الإشارات المتقدم بيانها - وقد بدءوا بالأصوات الطبيعية للتعبير عن الانفعالات النفسية أو الآلام الجسمانية والحاجات الحيوية كالتنهد والتأوه والأنين والتأفف وغير ذلك كما تفعل الأطفال والحيوانات. وما نزال نرى لغات بعض القبائل المتوحشة التي تعيش في أواسط أوستراليا وفي أواسط أمريكا الجنوبية في هذا الطور من تطورات لغة البشر إلى الآن، فإنهم نظراً لقلة مواد لغاتهم البسيطة يضطرون للتعبير عن أغراضهم إلى الإكثار من استعمال الإشارات. فإذا تكلموا صوتوا وأشاروا بأيديهم وأرجلهم وأعينهم، والإشارات جزء من لغتهم لا يمكنهم الاستغناء عنه فهم لا يستطيعون التفاهم ليلاً. وألفاظ لغتهم أقرب إلى الأصوات الطبيعية ولغات القرود العليا منها إلى ألفاظ سائر لغات البشر وهناك قبائل أخرى بأوستراليا لا تسعفهم لغتهم في التعبير عما وراء الاثنين بلفظ واحد إذ ليس لديهم من الألفاظ العددية إلا لفظتان فقط هما (نتات) أي واحد، و (نايس) أي اثنين. فإذا أرادوا ثلاثة أضافوهما إلى بعضهما وقالوا: (نايس نتات) أو أربعة (نايس نايس) أو خمسة (نايس نايس نتات) أو ستة (نايس نايس نايس). أما السبعة فما فوقها فيقفون عندها حيارى وهم يعبرون عنها بقولهم ما معناه (كثير).

ثم بارتقاء الناس عقلياً ومدنياً وتقدمهم في الحياة الاجتماعية مع قيام حاجات جديدة لهم؛ كل هذا جعلهم يتصرفون في ألفاظهم الأولى ويتوسعون وينوعونها ويفرعون ألفاظاً أخرى فيها إما بتقليد أصوات الطبيعة وانفعالات النفس وإما بالرمز إلى المعاني بألفاظ كانت تدل في بادئ الأمر على الماديات، كما يفعل الأطفال إلى الآن. فأول لفظة يتفوه بها الطفل الرضيع عندما يبدأ في النطق هي (أم) أو (ما) يقصد بها الرضاع، وهو في هذا يعبر تعبيراً طبيعياً عن ذلك المعنى لأنه إنما يقلد الحركة الآلية الفسيولوجية المحض التي يقوم بها لأطباق

<<  <  ج:
ص:  >  >>