للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج:
ص:  >  >>

كيف حاولت أن أكون خطيباً

للأستاذ زهدي الشواف

إنها محاولة لا أذكرها الآن إلا ضحكت من نفسي. . . فلقد كانت نزوة من نزوات الشباب الطائش، وهفوة من هفوات العاطفة الجموح. . . وما أكثر ما تخطئ العاطفة، وما أكثر ما تزل المرء في مزالق السخف!. . ولقد قدر لنا أن نتحرر من ربقتها لبرئنا من الضحك من أنفسنا، ولترفعنا عن كثير من المهازل التي تتمثل على مسرح الحياة.

لقد عينتي وزارة المعارف معلماً في مدرسة ابتدائية فبادرت للعمل فرحاً، ولم أكد أدخل الصف حتى ألفيت نفسي بين حشد من الأطفال لا يحصيهم عد. . . لقد كانوا لحداثة عهدهم بالمدرسة أشبه بالمهارة الناشزة التي لم تروض على الركوب، وكانوا مزيجاً غريباً من طبقات اجتماعية مختلفة، متفاوتين فهما وخلقاً وإدراكاً.

وما أن رأوني مقبلاً عليهم حتى سكتوا لحظة، ثم راحوا يتطاولون بأعناقهم فينظرون إلي. وبعد هنيهة عادوا إلى حديثهم وعكفوا على لهوهم، كأني لم أحل بينهم أو كأنهم في ساحة البلد لا تجمعهم مدرسة ولا يهيمن عليهم نظام. ولقد فكرت في عصا ولكن التعاليم التربوية الحديثة تقول (إن الضرب ممنوع في المدارس. . .) نعم أن الضرب ممنوع لأنه ينافي التعاليم التربوية ولكن حشر مائة طالب في غرفة واحدة لا ينافيها!. هذا هو فهمنا للتعاليم!. . وهذا هو مدى تطبيقنا إياها!. . .

وقد حاولت تأمين النظام بكل ما أوتيت من حكمة ولكن جهودي كلها ذهبت عبثاً. وأنى لي أن أفلح والطلاب منصرفون عني. فهم بين جالس على مقعد، ومضطجع على حصير، وواقف خلف (درف) الشباك. . . إن المقاعد لم تكن لتسعهم كلهم. . . فما ذنبهم؟. . وما ذنبي؟. . .

لقد أتيت المدرسة مزوداً بالتعاليم الحديثة مشبعاً بالأفكار المثالية ولكن ما أسرع ما وجدت أن تلك التعاليم ظل لا حقيقة له، وأن هذه الأفكار بعيدة عن متناول اليد بعد السماء عن الأرض.

وانتصفت الساعة الأولى وأنا حائر في أمري لا أجد مخرجاً لي مما أنا فيه. فلما يئست من إصلاحهم ركنت للحيلة، وذكرت أني كنت رأيت قبيل مجيئي للمدرسة أناساً التفوا حول

<<  <  ج:
ص:  >  >>