للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج:
ص:  >  >>

[فصول ملخصة في الفلسفة الألمانية]

٢٦ - تطور الحركة الفلسفية في ألمانيا

الناحية السلبية من مذهب نيتشه

الإنسان

للأستاذ خليل هنداوي

لكل فلسفة أجل موقوت، تظهر فيه حجتها على الناس. وكل فيلسوف يضم شتات فلسفته ويحبسها ضمن نظام منطقي كأنها عمل عقلي محض، ألا إن هذا باطل، فأن الحياة الواعية في كل إنسان لها جذور تمتص من الحياة غير الواعية فيه؛ وإن حبه لمعرفة الحقيقة يعود إلى غريزة فيه قوية خفية. عد إلى المذهب الفلسفي العددي المجرد من كل شخصية ومن كل هوى تجد شيئاً ينزل منزلة الإيمان فيه؛ وما نظريات الفيلسوف في الحقيقة إلا بنات مذكراته واعترافاته. إن هذا الفيلسوف ليس في الحقيقة - كما يخيل إلينا - مفكراً خالصاً، ولكنه محام خبيث يذب عن اعتقاداته الوهمية ولا سيما الأدبية منها. يجرب أن يجعل من اعتقاداته حقائق ثابتة ودساتير نافذة. على أن هذه الاعتقادات التي تنطوي عليها المذاهب الفلسفية التي تريد أن توجه الحياة في سبيلها، إنما هي اعتقادات مستمدة من المثل الذي يبشر بالزهد والمسكنة. . . وهكذا لم يكن الكاهن والفيلسوف بخصمين كما يبدو ظاهر الأمر - وإنما هما صاحبان وان كانا لا يدريان.

هذا هو (كانت) أبو الفلسفة الألمانية لا يرى فيه نيتشه إلا كاهناً مسيحياً تطور في بعض حالاته. وخلاصة فلسفته أنها تضع (شعبتين) من شعبها خارج القوة العقلية؛ في الأولى تلهج بعالم حقيقي مباين لهذا العالم المبني على الظواهر والحوادث، وفي الثانية تؤمن بالشريعة الأدبية الخلقية أنها مقدرة تقديراً. وإذا جرد المحقق هاتين الشعبتين وجد أنهما وليدتا نظريات الشريعة المسيحية ذاتها. إذ ما هو الإيمان بعالم حقيقي غير هذا العالم؟ أليست هذه الفلسفة تنطوي على الفكرة التي يبشر بها علم اللاهوت، فالإله هو العلة الأولى للوجود الذي تتلقفه الحواس، وحياة الإنسان الحقيقية هي الحياة في الله، وهكذا أخذ النظريون فكرة القول بإله صالح، بإله للمتألمين، ودققوها وسموا بها وبدلوا لونها حتى

<<  <  ج:
ص:  >  >>