للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج:
ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

[العلم والمال]

للدكتور أحمد فؤاد الأهواني

ليس للعلم في ذاته قيمة، وليس للمال كذلك في ذاته قيمة، وإنما تتغير قيمة كل منهما بالنسبة للآخر، حتى إذا تبدلت ظروف أحدهما فارتفع أو انخفص، ارتفع الآخر أو انخفض تبعاً لذلك

وقد كان للعلم في العهد السابق على الانقلاب الأخير قيمة معينة بالنسبة للظروف الاجتماعية السائدة حينذاك، والتي كانت تخضع إلى حد كبير إلى عامل أساسي عظيم الأثر هو المال. فقد كانت الثروة هي المقياس لجميع الأشياء، حتى إذا تبين للناس أنها المحرك الأول في الحياة، وأنها هي التي تجلب حاجات المعيشة، ووسائل الرفاهية، وأسباب اللهو والزينة، مما كان فتنة الناس وقبلتهم، أقبلوا على المال يقتنونه بشتى الوسائل، شريفة كانت أم غير شريفة، لا يحلفون في سبيل ذلك بشيء، حتى لقد أخضعوا العلم نفسه للماس، فأصبح يباع ويشترى، وتطرق إلى بيعه وشرائه أسباب الفساد والرشوة والمحسوبة، كما تطرق الفساد والرشوة والمحسوبة في كل شيء آخر في الحياة

فإن قلت: وهل يخضع العلم للمال؟ وكيف كان ذلك؟ قلنا: ألم يبلغك نبأ المعلمين الذين يحملون العلم ويتجه إليهم الطلاب يلتمسون عندهم هذه البضاعة، كيف انغمسوا إلى الأذقان في (الدروس الخاصة) يزعمون أنها أجر على التعليم، وحددوا للساعة أجراً أخذ يرتفع إلى أن بلغ قيمة لا يطيقها أوساط الناس وأصبحت ترهق ميزانياتهم. ولم تكن بدعة الدروس الخاصة معروفة من قبل، اللهم إلا في نطاق شديد الضيق، لأن المعلمين كانوا يقومون بمهنتهم خير قيام، ويؤدونها أحسن أداء، ويكفيهم في ذلك أن الدولة قد تعهدت بمعاشهم، وأعطتهم الرواتب للقيام بهذا العمل وتنفيذه. وقد شاعت هذه البدعة حتى بلغت أسوار الجامعة واقتحمتها وأصبحت شيئاً مألوفاً في معظم كلياتها. وهذا أعظم باباً من أبواب الفساد

ولم يقنع المعلمون بالأجر يأخذونه على الدروس الخاصة، فتهافتوا في جميع أنواع التعاليم على تأليف كتب يتجرون في بيعها، ويفرضونها فرضاً على الطلاب، سواء أكان ذلك في مدارس الروضة أم في المدارس الابتدائية والثانوية، أم في كليات الجامعة. وهذا باب آخر من أبواب الفساد

<<  <  ج:
ص:  >  >>