للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج:
ص:  >  >>

[من التاريخ الإسلامي]

رجل وامرأة. . .

للأستاذ علي الطنطاوي

(يقولون: إن التاريخ يعيد نفسه وربما كان صحيحاً هذا الذي

يقولون)

(ع)

كان ذلك في يوم من أيام سنة ٦٠٧هـ وكانت دمشق تصارع دهرها الغاشم الحرون، الذي رمى بلاد الشام بقاصمة الأصلاب: الصليبيين، فنزلوا على مدنه نزول البلاء، وفشت أجنادهم في نابلس وعكا وبلاد أخر فشو الطاعون، وكان صبرها يزيد كلما زاد الكرب، وحزمها ينمو كلما نمت المصيبة، شأن دمشق في كل عصر. وكأن طوفان المغيرين يمتد ويتسع، يحمل الموت والدمار، يأتي على البلاد والعباد، يجتث الحضارة من أصولها، وأهل الشام ينهضون له فلا يملكون له دفعاً، حتى كادت الديار تخلو من شبابها، ولا يبقى فيها إلا شيخ أو امرأة أو صبي. . . أو قَعدي نسى واجب الجهاد!

. . . وقد ذهب فيمن ذهب اخوة (ميسون) الأربعة، وبقيت من بعدهم وحيدة في دارها لا يؤنسها إلا شبابها وجمالها وذكرى اخوتها

أصبحت ميسون مهمومة، قد تقاسم فكرها العزيزان: وطنها وإخوتها، فما تدري ماذا جرى لهم، وماذا يجري عليه، ولقف

سمعُها طرفاً من أحاديث المارة، فعلمت أنه قد اشتد الخطر، ودنا الهلاك، وأن هؤلاء (الواغلين. . .) لا يفتأون يركبون جناح الليل الأسود، إلى شاطئ فلسطين، تحملهم المواخر الهاربة من عين الرقيب، المتسللة من وراء الحرس، فكلما دجا الظلام نزلوا إلى الشط أفواجاً فكانوا للغاصبين عوناً، وعلى أهل البلاد حرباً، وجعلت تفكر في هذه العصبة المجاهدة الكريمة، ماذا تستطيع أن تصنع لها؟ وكيف توقد النار في أعصاب هؤلاء الذين لا يزالون يروحون ويغدون على متاجرهم وأعمالهم، ويأخذون حظوظهم من مفاتن الطبيعة وجمال الكون، وتنسيهم ملذات أجسامهم ومرابح تجارتهم، وهذا الخطر الذي عم البلاد،

<<  <  ج:
ص:  >  >>