للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج:
ص:  >  >>

[بين البحتري وشوقي]

للأستاذ أحمد أحمد بدوي

انتهت المؤامرة التي دبرها المنتصر مع الأتراك، بقتل الخليفة المتوكل سنة ثمان وأربعين ومائتين من الهجرة، وكان البحتري الشاعر في المجلس الذي تم فيه ذلك الاغتيال، فثارت عواطفه، فأنشأ قصيدة يرثي بها مولاه القتيل، ويقرع فيها ابنه ولي العهد رأس هاته المؤامرة، ويقول:

أكان ولي العهد أضمر غدرة ... فمن عجب أن ولي العهد غادره

فلا ملّى الباقي تراث الذي مضى ... ولا حملت ذاك الدعاء منابره

ولا وأل المشكوك فيه ولا نجا ... من السيف ناضي السيف غدراً وشاهره

فكانت تلك القصيدة من عوامل الجفوة، بينه وبين الخليفة الجديد. والظاهر أن الشاعر قد اضطهد في بدء ذلك العهد، فنبت به بغداد وسر من رأى، وأزمع الرحيل حتى يعود إلى الجو نقاؤه وصفاؤه، وحتى ترجع حياته إلى سابق عهده بها، لينة سهلة وادعة، فاختار أن يرحل إلى المدائن عاصمة دولة الفرس القديمة، راجياً أن يجد في تلك الرحلة العظمة والتسلية. ولقد أثمرت رحلته تلك القصيدة رائعة قل نظائرها في الأدب العربي كله، وكان لها صدى في نفس شاعرنا المغفور له شوقي، فقد نفى في أيام الحرب العظمى الماضية إلى الأندلس، وظل بها حتى وضعت الحرب أوزارها، فرأى واجباً عليه قبل العودة إلى وطنه، أن يزور آثار العرب التي خلفوها بتلك الديار، وكان البحتري رفيقه في الترحال، وسينيته التي خلد بها إيوان كسرى تملك من شوقي نفسه، قال (فكنت كلما وقفت بحجر، أو أطفت بأثر، تمثلت بأبياتها، واسترحت من مواثل العبر إلى آياتها، وأنشدت فيما بيني وبين نفسي:

وعظ البحتري إيوان كسرى ... وشفتني القصور من عبد شمس

ثم جعلت أروض القول على هذا الروي، وأعالجه على هذا الوزن، حتى نظمت هذه القافية المهلهلة.

بدأ الشاعران قصيدتهما محنقين مما رمتهما الأيام به؛ أما البحتري فسر حنقه خوفه على رزقه أن يطفف، وخشيته على عيشه أن ينقص:

<<  <  ج:
ص:  >  >>