للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج:
ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

[رسالة النقد]

٤ - في سبيل العربية

كتاب البخلاء

للأستاذ محمود مصطفى

في صفحة ٨٦ وردت في كلام الجاحظ حكمة أكثم بن صيفي وهي: المرء يعجز لا محالة. فعلق عليها الشارحان بقولهما: (أي لا تضيق الحيل ومخارج الأمور إلا على العاجز، والمحالة: الحيلة. ويروى المحالة كما في اللسان. أ. هـ)

ولهذه الحكمة كلام طويل عريض تناولناه في مثل هذه الأيام من العام الماضي في صحيفة البلاغ الغراء، وكنا نود أن يرجع الشارحان يوم ذاك إلى كلامنا في تحرير هذه الحكمة حتى لا يقعا فيما وقع فيه غيرهما من الإيمان بكل ما يقول السابقون من غير إجراء حكم العقل عليه.

نرى أن هذا الشرح الذي شرحه الميداني ونقله الشارحان خطأ ظاهر. لأننا إذا نظرنا إلى العبارة من وجهتها التركيبية رأينا أن هذا الشرح يستلزم أن تكون العبارة هكذا: (المرء يعجز لا محالة). ويكون المعنى كما شرح الميداني إن المرء هو الذي يعجز لا الحيلة.

وإذا نظرنا إلى المقام الذي وردت فيه العبارة رأينا أن أكثم كان ينصح لقومه فيقول لهم:

(أقلوا الخلاف على أمرائكم، واعلموا أن كثرة الصياح من الفشل، والمرء يعجز لا محالة. يا قوم تثبتوا فإن أحزم الفريقين الركين. ورب عجلة تهب ريثاً). فالرجل يثبط قومه عن القتال وينهنه من نزعاتهم الجامحة إليه. فهو يقول لهم: إن العجز من شأن الإنسان، وإنه لا حيلة له في توقيه.

فنرى أن الأسلوب من ناحية والمقام الذي وردت فيه الحكمة من ناحية أخرى يوجبان أن يكون المعنى غير ما ورد في الميداني، وردده الشارحان الفاضلان من غير مناقشة للرجل في رأيه مع أنه إنسان يخطئ ويصيب، فكيف بهما إذا علما أنه كان ناقلاً للمعنى عن آخر سبقه بالخطأ.

ذلك أن الميداني من أهل القرن السادس الهجري، وقد سبقه أبو هلال العسكري المتوفى

<<  <  ج:
ص:  >  >>