للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج:
ص:  >  >>

[الأمثال في حياة اللغة]

للأستاذ حامد حفني داود

- ٢ -

عرفنا أن الأمثال ولغة الحديث توءمان. وأن هذين التوءمين - وحدهما - استطاعا أن يسايرا الحياة على ما فيها من خير وشر، وما فيها من فصاحة مقبولة وهجنة ممقوتة، ثم هما استطاعا أن يكشفا عن أصول العربية الفصحى تارة ويحملا رواسب العامية الإقليمية الطارئة تارة أخرى، ثم هما إلى جانب هذا وذاك يستجيبان للحياة ويعيشان في نفوس الناس، ويمثلان كل ما طرأ على اللغة من نماء مطرود وتطور مستمر يدل دلالة قاطعة على أن اللغة كائن حي يعيش ويتطور كغيره من الأحياء.

إذا عرفنا كل ذلك فإننا بلا شك نستطيع أن نحدد موقفنا من العربية إذا أردنا أن نأخذ بزمامها، وإن ندفعها إلى الصف الأول الذي كانت تحتله في صدر الإسلام - يوم كان القرآن - وكانت الفصحى وقبل أن تختلط بالعجمي وتصاب بما أصيبت به من رواسب اللغات الإقليمية سواء في مقاطعها وإعرابها وتراكيبها.

فقد هبطت اللغة العربية - بعد أن خرجت من الجزيرة - في أقاليم جديدة لم يتكلم أهلها بالعربية من قبل. وانتشرت في هذه الأقاليم بسرعة عجيبة لم يعهد تاريخ اللغات مثلها وساعدها على هذا الانتشار أنها كانت تحمل لواء الدين الجد في يمينها، والانقلاب السياسي والتحول التاريخي الأكبر يسارها. ولكن هذا الانتشار - على الرغم من كل هذه السر - لم يتم في يوم وليلة وإنما كان نتيجة تفاعل مستمر بين اللغة (الغازية) و (المحلية) دام وقتاً من الزمن تحققت فيها إلغاء - تارة - للغة الغازية التي فرضت نفسها في مصر وبلاد المغرب وتخوم العراق والشام، على حين استمسكت أقاليم آخر كالهند وبلاد فارس بلغاتها المحلية بعد أن اعتصمت بعوامل كثيرة حفظت لها طابعها القديم وأبقت عليها كيانها وثقافتها. وهي عوامل كثيرة نترك الحديث عنها إلى موضوع أخر يتعلق بطبيعة اللغة ومقوماتها، ولكن الشيء الذي لابد من ذكره أن العرب استطاعت أن تترك أثرا في كلتا الحالتين لأن (الأثر) نتيجة حتمية لـ (المؤثر) مهما كان ضعيفاً، كما أن (التفاعل الكيماوي) نتيجة حتمية لـ (المواد القابلة للتفاعل) مهما اختلفت كمياتها.

<<  <  ج:
ص:  >  >>