للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج:
ص:  >  >>

[٢ - الفتنة الكبرى]

للأستاذ محمود محمد شاكر

وإذن، فقد أراد الدكتور طه أن يقول إن الفتنة الكبرى التي أفضت إلى قتل عثمان إنما هي (فتنة عربية نشأت من تزاحم الأغنياء على الغنى والسلطان، ومن حسد العامة العربية لهؤلاء الأغنياء في ص١٠٩ فمن أجل تحقيق هذه الكلمة الكبيرة ركب كل مركب في تصوير الحياة الإسلامية الأولى بعد الفتوح بالصورة التي تنتهي به إلى هذا الغرض وحده دون سواه، وهو الغنى والمال والسلطان، وتزاحُ الأغنياء على الغنى والمال والسلطان، وحسد العامة العربية لأصحاب الغنى والمال والسلطان. وأنا - كما قلت آنفاً - لن أحاول أن أنقض هذه الصورة، ولن أعمل عملاً في الرد عليها إلا بمقدار ما ينبغي في سياق التحقيق التاريخي لناحية من نواحي هذه الفتنة. ولكن الدكتور كشف عن هدف آخر حين جاء معرض هذه الفتنة، فنفى خبر عبد الله بن سبأ اليهودي، وخبر الكتاب الذي كتب في الأمر بقتل رؤوس وفد مصر. وهذا الهدف هو أن ينفي عن اليهود الشركة في دم عثمان، والتحريض على قتل الإمام، فركب مركباً وعراً خالف فيه أسلوب العلماء في جرح الأخبار، وكذّب الرواة في شئ بغير برهان، وصدقهم في شئ آخر بغير برهان أيضاً، وهو نفسه ينعى في كتابه على (الذين يكذبون الأخبار التي نقلت إلينا ما كان بين الناس من فتنة واختلاف) فقال في ص١٧٢: (فنحن إن فعلنا ذلك لم نزد على أن نكذب التاريخ الإسلامي كله منذ بعث النبي، لأن الذين رووا أخبار هذه الفتن، هم أنفسهم الذين رووا أخبار الفتح وأخبار المغازي وسيرة النبي والخلفاء. فما ينبغي أن نصدقهم حين يروون ما لا يعجبنا. وما ينبغي أن نصدق بعض التاريخ ونكذب بعضه الآخر؛ لا لشيء إلا لأن بعضه يرضينا وبعضه يؤذينا). بيد أن الدكتور طه نفسه، قائل هذا الكلام، قد فعل ذلك فكذبهم حين روى الرواة ما لا يعجبه، وحين رووا ما يؤذيه. وفعل ذلك أيضاً فصدقهم حين رووا ما يروقه، وحين رووا ما يرضيه. فإن الذين رووا أخبار الغنى والمال والسلطان، هم الذين رووا أخبار عبد الله بن سبأ اليهودي وأخبار الكتاب الآمر بقتل وفد مصر، فلم أخذ شيئاً بغير برهان، ونفى أخاه بغير برهان؟

والشيء البين هو أن الدكتور الجليل أراد كما قال في ص١٣٤ أن يكبر المسلمين في صدر

<<  <  ج:
ص:  >  >>