للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج:
ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

العُلوم

في البحوث الروحية

للأستاذ عبد الغني علي حسين

خريج جامعة برمتجهام

- ٣ -

أمامي الآن ذلك الكتاب الصغير (كيف ثبت لي خلود النفس البشرية) لذلك العالم الكبير (سر ألفرلدج). كتاب خليق بأن يفتح لرجال العلم ميدان بحث جديد لا يمكن التكهن بمدى اتساعه، فهو يلفت النظر بشدة إلى حقيقة كبرى، تتراءى من وراء ظواهر غامضة، لم يلتفت إليها العلم حتى الآن لما يحف بها من دجل يبدو معه البحث فيها عاراً ومنقصة.

لقد كمن الرجل في ظل العلم بشتى الصور في كل العصور. وقديماً بينما كان آباء الكيمياء الحديثة - جابر بن حيان الصوفي، وأبو بكر الرازي ومن أخذ عنهما من الفرنج - يستنبطون المركبات الجديدة، ويستقطرون الزيوت والحوامض، كان أخوهم الدجال، يزور عباد المال موهماً إياهم باسم الكيميا إن في مقدوره قلب رصاصهم ذهبا، ثم يذهب عنهم وقد استلب ما كان لديهم من ذهب وترك رصاصهم كما هو، فينتبهون بعد فوات الوقت إلى أن الذي يعرف سر صنع الذهب من الرصاص لا يكون بحاجة لعرض خدماته على الناس.

ولكن إذا اجتمع العلم والدجل في ميدان، فهل للعلم أن يهرب؟ كلا. بل عليه أن يغزو.

سلخ لدج في بحوثه تلك زهاء الأربعين عاما، وكون فيها رأياً نهائياً لم يتحول عنه قيد أنملةَ منذ كونه، ولم يفرط في إذاعته وبسطه بمختلف التواليف في صراحة تامة، ومع شيء من التضحية أيضا، فقد تعرض اسمه الضخم للتجريح، وعقله الكبير للاتهام.

قلب معي صفحات تاريخ العلم الحديث. هل ترى نظرية ضخمة جاءت وليدة ساعة أو يوم؟ من المعلوم المشهور أن دارون قضى عشرين عاما تختمر نظريته في ذهنه، وهو يقدم على البوح بها ثم يحجم، ولما أذاعها أخيراً قوبلت بوجوه مستطيلة، وأفواه فاغرة، ولم تتخذ سبيلها إلى عقول الناس بعد إذاعتها إلا ببطء شديد، ولا يزال لها إلى اليوم أعداء

<<  <  ج:
ص:  >  >>