للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج:
ص:  >  >>

[سنان شيخ الجبل]

صفحة من تاريخ الأدب السياسي

للأستاذ محمد عبد الله عنان

في القرن السادس الهجري (القرن الثاني عشر الميلادي) كانت الأمم الإسلامية تجتاز مرحلة عصيبة من تاريخها، ففي هذه الحقبة استقر الفرنج الصليبيون في فلسطين وثغور الشام، وقامت مملكة نصرانية لاتينية في بيت المقدس في قلب ديار الإسلام، وانقسمت الكتلة الإسلامية في المشرق إلى دويلات صغيرة متنازعة؛ ونشب بين الإسلام والنصرانية في تلك المهاد صراع مستمر طويل الأمد؛ وكانت المعارك سجالا بين هذه القوى الخصيمة المتفرقة؛ ولكن الفرنج الصليبين احتفظوا لأنفسهم مدى حين بنوع من التفوق؛ ذلك لأن الخلافة الفاطمية كانت تجتاز مرحلة انحلالها، وكانت الإمارات الإسلامية في شمال الشام مشغولة بمعاركها المحلية؛ وكان الفرنج ينتهزون الفرص السانحة فيعملون على إذكاء الخلاف ويظاهرون أميراً على أمير، ويحققون لأنفسهم ما استطاعوا من الأسلاب والمغانم.

ففي تلك الفترة العصيبة المضطربة كانت الشام فوق كونها مسرحا للحروب الأهلية والمعارك الصليبية المتواصلة مسرحا لنشاط بعض الجماعات السرية التي الفت فرصتها في تلك الفوضى السياسية والاجتماعية الشاملة، وكانت في مقدمة هذه الجماعات طائفة فرسان المعبد أو الداوية، وطائفة الاسبتارية، وطائفة الإسماعيلية الباطنية؛ وكانت الأولى والثانية طائفتين نصرانيتين ظهرتا بعد قيام المملكة الصليبية، وأنشئتا في البداية لبواعث وظروف دينية، ثم انقلبت كلتاهما بعد ذلك إلى جمعية سرية فدائية وكانت الثالثة تحسب ضمن الطوائف الإسلامية المذهبة، وقد أنشئت في أواخر القرن الخامس على يد داعية إسماعيلي بارع هو الحسن بن الصباح الحميري، ونظمت أولا في شمال فارس، حيث استحالت غير بعيد إلى عصابة إرهابية قوية تعتصم ببعض القلاع المنيعة، وتعتمد في تنفيذ مآربها على الإرهاب السياسي والاغتيال المنظم؛ وفي أوائل القرن السادس لما اشتدت مطاردة الأمراء السلاجفة للإسماعيلية في فارس، فر بعض دعاتهم إلى الشام، ولبثوا حيث يبثون هناك دعوتهم سراً؛ وكان الأمراء المحليون مثل صاحب حلب وصاحب دمشق يلجئون أحيانا إلى هؤلاء الدعاة الخطرين في تنفيذ مشاريعهم واغتيال خصومهم،

<<  <  ج:
ص:  >  >>