للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج:
ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

[مشاهدات مسافر]

ألمانيا بعد الحرب

للدكتور محمد سامي الدهان

أجل أعود من جديد إلى هذا البلد الواسع الكبير، يحفزني أمران؛ فأنا أسعى في جمع تراثنا المخطوط من مكتبات ألمانيا المتفرقة في غنى، الموزعة في نظام. وأنا أسعى كذلك في أن أتعرف إلى الأساليب الحديثة في كل شيء: في المعرفة والحياة. . .

كان علي أن أسجل (القديم) وأن أرسمه حيث كانت ألمانيا أمة تهتز لذكرها أمم، فيهم من يرى عندها المثل الأعلى والغاية القصوى، وفيهم من يكفر بحضارتها ويطيل في ذمها. كان علي أن أسجل هذه الزيارة الطويلة الواسعة من أقصى حدود الراين، بطاحة ونجوده، حتى برلين؛ ومن هذه العاصمة حتى لينزغ ومونيخ ونور نبرغ، فالغابة السوداء وتوبنيكن ونهر الراين؛ في شهور عصيبة من عام ١٩٣٨، والعالم يضع أبواباً لحدوده ويخترع الأقفال من ورائها؛ فكان لأنباء الحرب هلع في القلوب وجزع في النفوس ونار في الرماد، وحمم تتوثب، ودنيا ترتجف، وآمال تبنى، وأمان تتهدم. كان علي أن أصف كيف كانت تخوض ألمانيا حرب الأعصاب في الدعاية لجنسها والاستجابة لعرقها والجمع لشملها. وكنت وأنا أعبر الحدود البلجيكية الألمانية أقرأ في صحف باريس أن القوم أعلنوا التجنيد وجمعوا الصفوف وأنهم على أبواب حرب، وقد أقسموا أن يقفوا بين رغبة ألمانيا واستلاب السوديت.

وما من شرقي عربي يستطيع أن ينزل من القطار عشرات المرات، وأن يلبس القناع الواقي عشرات المرات، وأن يتمرن في سفره على الاستعداد مع القوم لحرب عصيبة، فلا يهتز له جنان، ولا يرتجف له قلب! فقد تعلمت الحرب عن الأدب، وجربت النضال عن الكتب، فلست أفهم فتاة تحرس النفق، وامرأة تفتش المارة، وأخرى تحمل السلاح. ولست أفهم كيف يؤمن عشرات من الملايين بالحرب في القرن العشرين، يتقدمون إلى النار في ثغور باسمة وقلوب هائمة، لا يسمعون إلا لصوت واحد في زحمة الأصوات، ولا يتلفتون إلا لنداء واحد في جلبة النداءات.

كان علي أن أصف ما شهدت من اجتماع برلين، وما سمعت من الأقطاب الأربعة من

<<  <  ج:
ص:  >  >>