للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج:
ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

[كارلو نلينو]

المستشرق الكبير

لمحة تاريخية يستدل منها على مدى تعمقه في العلوم عند العرب،

وبنوع خاص في الجغرافية والهيئة وآداب اللغة والفقه

للأستاذ يوسف الخوري

في يوم صافي الأديم من عام ١٩٠٩ اطل على إدارة مجلة الهلال الزاهرة بغية التعرف على إحدى أمهات المجلات العربية في مصر شاب إيطالي حس الهندام وسيم المحيا يشع من عينيه بريق الذكاء وتنم على رزانته لحية شقراء تعبث بها أصابع أرستقراطية. وما وقف بباب غرفة رئيس التحرير حتى رفع قبعتهمسلما وانحنى بتأدب محيياً بعبارة عربية لا عجمة فيها ولا لكنة، هي: (السلام عليكم يا سادتي الكرام)

وما سمع الحاضرون هذه التحية العربية الخالصة حتى تولتهم الدهشة ووقفوا إجلالا لها ولملقيها وهم يكادون لا يصدقون انهم أمام أجنبي ينطق بلسانهم بفصاحة العرب الأقحاح.

أما هذا الزائر الشاب المتكلم بالعربية كأحد أبنائها فلم يكن سوى الأستاذ كارلو نلينو الذيأمالقاهرة بطلب من الجامعة المصرية لكي يدرس فيها باللغة العربية تاريخ علم الفلك عند العرب.

ولم يكن تلامذة الجامعة أقل إعجابا بفصاحة أستاذهم الأوروبي وسعة اطلاعه طيلة المدة التي قام فيها على تدريسهم حتى أواخر عام ١٩١٢، كما تعداهم الإعجاب عينه إلى الجماهير، لا في مصر وحدها بل في سورية ولبنان والبلدان العربية أيضاً حتى ليبيا وطرابلس وتونس الخضراء والجزائر والمغرب وكل البلدان التي أسعد الحظ رجالها وعلماءها بالتعرف إلى هذا العالم الكبير والمستعرب النادر المثال الذي طاف بكل هذه البلدان بعد أن سبقته إليها شهرته وتآليفه فكان في كل مكان حله وكل مجلس ضمه موضع تقدير أهل العلم، لا لحسن نطقه وطلاقة لسانه في العربية فحسب، بل لسعة معارفه. ولا بدع فهو المستعرب الفذ الذي ملك ناصية اللغة وتعمق في دراستها وتمكن من تاريخ العرب وآدابهم وحضارتهم وكل فرع من فروع اجتهادهم العلمي غير تارك شاردة ولا ورادة من

<<  <  ج:
ص:  >  >>