للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج:
ص:  >  >>

[من الأدب التحليلي]

الوحدة

(مهداة إلى الدكتور إبراهيم مدكور)

للأستاذ علي الطنطاوي

(. . . إن كل عناء في الحياة مصدره أننا نحيا منعزلين. وكل

ما نبذل من جهودنا لا نريد به إلا الفرار من هذه العزلة)

جي دوموباسان (الرسالة ٢١٠)

ما آلمني شيء في الحياة ما آلمتني الوحدة. كنت أشعر كلما انفردت بفراغ هائل في نفسي، وأحس بأنها غريبة عني، ثقيلة عليّ، لا أطيق الانفراد بها؛ فإذا انفردت بها أحسست أن بيني وبين الحياة صحارى قاحلة، وبيداً مالها من آخر، بل كنت أرى العالم في كثير من الأحيان، وحشاً فاغراً فاه لابتلاعي، فأحاول الفرار، ولكن أين المفرّ من نفسي التي بين جنبيّ، ودنياي التي أعيش فيها؟

إن نفسي عميقة واسعة، أو لعلي أراها عميقة واسعة لطول ما أحدق فيها، وأتأمل جوانبها، فتخيفني بسعتها وعمقها، ويرمضني أنه لا يملؤها شيء مهما كان كبيراً. . . وهذا العالم ضيق أو لعلي أراه ضيقاً لاشتغالي عنه بنفسي، وشعوري بسعتها، فأراه يخنقني بضيقه. . .

إني أجمع العالم كله في فكرة واحدة أرميها في زاوية من زوايا نفسي، في نقطة صغيرة من هذا الفضاء الرحيب، ثم أعيش في وحدة مرعبة أنظر ما يملأ هذا الفضاء. . .

إني كلما انفردت بنفسي، فتجرأت على درسها، والتغلغل في أعماقها، بدت لي أرحب وأعجب. فما هذا المخلوق الذي يحويه جسم صغير، لا يشغل من الكون إلا فراغاً ضيقاً كالذي يشغله صندوق أو كرسي. . . ويحوي هو (المكان) كله، ويشمل (الزمان)، وينتقل من الأزل إلى الأبد في أقل من لحظة، وينتظم (الوجود) كله بفكرة، وتكاد الحياة نفسها تضل في أغواره؟

<<  <  ج:
ص:  >  >>