للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج:
ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

[القصص]

ليلة في الصرب

قصة الكاتب الأسباني بلاسكو أبانيز

ترجمة الأستاذ محمد فتحي عبد الوهاب

الساعة الحادية عشر ليلاً، تلك الساعة التي يغلق فيها مسرح باريس أبوابه. وقد أخليت المقاهي والمطاعم من روادها قبل ذلك بنصف ساعة.

وعلى إفريز الشارع، وقفنا زمرة حائرين. كانت جموع الناس تخرج من أماكن اللهو فتختفي في ظلمات الشارع، والمصابيح ترسل ضوءاً خافتاً سرعان ما يمتصه الظلام، والسماء الحالكة تجذب إليها الأنظار بتلألؤ أضوائها، فيتطلع إليها الناس في نظرات من اقلق. فقد كان ذلك الامتداد الفجائي للنور الكاشف أحياناً ما يكشف عن منطاد، تغمره الأشعة فيبدو كالسيجار المتوهج.

وشعرنا بالرغم في الاسترسال في سهرتنا. ترى أين نذهب وقد أغلقت باريس المكتئبة كل أبوابها؟. . . وحدثنا أحد الصربيين عن مطعم لفندق معين، مفتوح الأبواب طول الليل، يستقبل رواده من الضباط، فيدلفون غليه خلسة وكأنهم من أصحابه. وكان يتردد عليه سراً إخوان في السلاح من مختلف الأمم، قد قدموا إلى باريس لقضاء بضعة أيام فيها. وقصدناه، ودلفنا إلى قاعة استقباله في احتراس، فشعرنا بالفارق الهائل بين أنواره الباهرة وظلام الليل المداهم. كانت القاعة أشبه ما تكون منار كبير، وقد أنعكس من مراياها عناقيد الثريات الكهربائية، فخيل إلينا أننا ارتددنا بأعمارنا عدة سنوات. النساء بزيناتهن، والشمبانيا، وتنهدات القيثارة، وزنجي يرقص وقد ارتعشت أجزاء جسمه في الحرارة - كان كل ذلك من مشاهد عهد ما قبل الحرب. بيد أنه لم يكن هناك من الرجال من يرتدي لباس السهرة.

وكان الجميع من فرنسيين وبلجيكيين وإنجليز وروسيين وصربيين - مرتدين حللهم الرسمية الرثة، وقد علاها الغبار. وكان بعض الجنود الإنجليز يعزفون على القيثارة، فيصفق لهم القوم في ابتسامات باردة كالرخام، وقد جلسوا مكان فرقة الغجر الموسيقية.

<<  <  ج:
ص:  >  >>