للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج:
ص:  >  >>

[المعرفة الصوفية]

أدلتها ومنهجها وموضوعها وغايتها عند صوفية المسلمين

للأستاذ أبو الوفا الغنيمي التفتازاني

(تتمة ما نشر في العدد الماضي)

للمعرفة الصوفية موضوعها الخاص بها، ولكنه في حقيقة الأمر أشد ما يكون غموضاً، ومن العسير على من لم يسلك طريق الصوفية أن يعرف شيئاً مفصلاً عن الموضوع، فالحقائق التي تتكشف للصوفي في خلواتها ومنازلاته هي حقائق فردية وذاتية لا يمكن أن تتصف بصيغة العمومية، ومن ثم يأتي إنكار الناس لها باعتبارها من قبيل الوجدان الخاص، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن الصوفية يعمدون إلى الرمز والإشارة فتغلب على عبارتهم صيغة الإبهام والتعقيد، فيصبح من العسير على الباحث أن يشاركهم - ولو إلى حد ما - ما هم بسبيله من أذواق ومواعيد ومعارف ونستطيع أن نقول إنه لا يمكن أن تستند معارف الصوفية وعلومهم إلى براهين وأدلة نظرية، فهي علوم ذوقية تحمل يقينها في ثناياها، ولا تخرج في إثبات وجودها إلى برهان. وقد أشار ابن عربي إشارة لطيفة إلى هذا المعنى في كتابه التدبيرات الإلهية فقال (فإن يعرض لك الأخ المسترشد من ينفرك عن الطريق فيقول لك طالبهم بالدليل والبرهان يعني أهل هذه الطريقة فيما يتكلمون به من الأسرار الإلهية، فأعرض عنه وقل له مجاوباً؛ ما الدليل على حلاوة العسل؟ فلابد أن يقول لك هذا علم لا يحصل إلا بالذوق فلا يدخل تحت حد ولا يقوم عليه دليل، فقل له هذا مثل ذاك. .)

والواقع أيضاً أن الصوفية يعتبرون علوم الحقيقة وما تتضمنه من الأسرار من الأمور التي لا يصح أن يتحدث عنها الصوفي صراحة، ولا رخصة في إيداعها الكتب، وإنما هم يتكلمون عنها بطريق الرمز والإيماء على سبيل التمثيل والإجمال.

ونستطيع أن نقرر بوجه أن موضوع العلوم اللدنية هو الذات الإلهية وصفائها وأسمائها وأفعالها، وهي أمور لا قبل للعقل بإدراكها يقول الشيخ حسن رضوان في روض القلوب المستطاب

<<  <  ج:
ص:  >  >>