للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج:
ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

[تعقيبات]

للأستاذ أنور المعداوي

مشكلة الأداء النفسي في الشعر العربي:

مشكلة الأداء النفسي في الشعر مشكلة تهم الشعراء المحدثين، وتهم النقاد المحدثين، وتهم القراء المحدثين. تهمهم جميعاً لأن نظرة الشاعر إلى النفس والحياة قد تفاوتت بين الأمس واليوم، وكذلك نظرة الناقد ونظرة القارئ. . . ويلاحظ هنا أنني أقصر الحديث على الشعر العربي وحده دون سواه.

إن رأيي في الشعر العربي القديم هو رأيي في مشكلة الأداء اللفظي في هذا الشعر، وهي مشكلة شغلت الشعراء القدامى فأفرغوا فيها كل طاقاتهم الشعرية لا الشعورية، وشغلت النقاد القدامى فأقاموا موازينهم للألفاظ من حيث الدلالة المادية لا النفسية، وشغلت القراء القدامى لأن فهمهم للشعر قد استمد أسباب وجوده مما بين أيديهم من نتاج شعري يسير في ركابه النقد الموجه لهذا النتاج. . . إذا قلت لك إن الشعر العربي القديم كان في جملته شعر (السطوح الخارجية) للنفس والحياة، فلا تحمل هذا القول على التعصب للحديث والوقوف إلى جانبه. إن أمامك هذا الشعر، فراجع فيه نفسك، واستشر في حقيقته ذوقك وحسك، إنه شعر يشعرك بفراغ (الوجود الداخلي) عند قائليه، لأنهم كانوا يعيشون خارج (الحدود النفسية) في الكثير الغالب من الأحيان، فإذا عادوا إلى تلك الحدود فتغلبوا على مشكلة (الصدق الشعوري) قامت في وجوههم مشكلة أخرى هي مشكلة (الصدق الفني). . . وهنا مفرق الطريق بين المشكلتين الرئيسيتين: مشكلة (الأداء النفسي) ومشكلة (الأداء اللفظي)، في معرض الموازنة بين الشعر العربي الحديث والشعر العربي القديم!

وأحب هنا أن أوضح الفوارق بين هذه القضايا الفنية في حدود التعبيرات الاصلاحية والنقدية. . . فما هو الصدق الشعوري أولا، وما هو الصدق الفني ثانياً، حتى نستطيع أن نصل إلى الهدف الأخير حول مشكلتي الأداء في الشعر؟

الصدق الشعوري هو ذلك التجاوب بين الوجود الخارجي المثير للانفعال، وبين الوجود الداخلي الذي ينصهر فيه هذا الانفعال. أو هو تلك الشرارة العاطفية التي تندلع من التقاء تيارين: أحدهما نفسي متدفق من أعماق النفس، والآخر حسي منطلق من آفاق الحياة. أو

<<  <  ج:
ص:  >  >>