للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج:
ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

[القصص]

قصة مصرية

دموع بريئة

للأستاذ محمود الخفيف

عرفته في الثامنة عشرة، طويل القامة في غير افراط، نحيل الجسم في غير هزال، مهيب الطلعة في غير تأنق، حلو الحديث في غير تكلف، ولست أذكر وقد مضى على تعارفنا نحو ستة أعوام ما الذي جذبني إليه حينما رأيته لأول مرة حتى لقد امتزجت روحي بروحه، أهو هدوءه ورزانته ام نشاطه وهيبته؟ وكل ما أتذكره الآن هو أني رأيته فأحببته ولشد ما أبهج نفسي أن رأيته يحس نحوي ما أحس نحوه فما هي الا أيام حتى توثقت عرى المودة بيننا واستحكم الوفاق بين قلبينا وصار كلأنا يأنس بصاحبه ويهش للقائه ويحرص على رضائه. ولما عاشرته وتبينت خلاله أعجبني منه أدبه الجم ووقاره العاقل وقلبه الرحيم وأكبرت منه نظراته الهادئة ونفسه المتوثبة وعواطفه الثائرة وشبابه المرح وروحه الجذابة.

وتبينت فيه شاعراً يقدس الجمال ويعشق الطبيعة في خيال خصب وذهن متوقد وحس دقيق كما تبينت فيه على حداثته فيلسوفا بعيد النظر دقيق الملاحظة حلو الفكاهة عذب الروح ورأيته مشغوفا بالحياة مقبلا عليها قانعا بحظه منهما راضيا عن نفسه غير ساخط على أحد. ولقد جعلني منذ ان تعارفنا موضع سره يحدثني في غير تحفظ ويجد عزاء طيبا في ان يبثني لواعج نفسه وخطرات حسه كما يجد هناء سائغا في أن أشاطره مسراته وأسباب سعادته. وكان حديثه تارة حزينا يستدر الدموع وتارة بهيجا يملأ جوانب النفس سروراً وغبطة وكان يقص عليَّ مشاهداته في الحياة غير انه كان يشفعها بآرائه او يمزجها بخواطره فيكسبها بذلك قوة تحرك القلب وتستثير العواطف. وكنت أحرص على أحاديثه إذ أرى فيها خواطر فتى كبير القلب راجح العقل. غاب عني شهرا فأشفقت أن يكون قد مسه الضر وأردت أن أذهب إليه ولكن الخادم أحضر إليَّ كتابا تبينت خطه على غلافه ففضضته في شغف فإذا به يخبرني انه سيكون عندي في المساء، ومرت الساعات ثقالا

<<  <  ج:
ص:  >  >>