للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج:
ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

[الإحسان]

للأستاذ احمد أمين

لا أطيل على القارئ، فإني أريد بالإحسان التصدق على الفقراء، ومعونة الضعفاء والمرضى، ولست أرى لفظا أدل على المعنى من الإحسان، وإن لم يرضه المتشددون في الألفاظ.

ربما كانت فضيلة الإحسان من أكثر الفضائل تقلبا مع الزمان، وتغيرا في أفهام الناس، فكم بين ما كان يفهمه حاتم الطائي من نحر الجزور وانهابها الناس، وبين ما وضع من النظم الحديثة للإحسان من فروق ومباينات!

فنظام المعيشة من قديم ينتج غنيا مفرط الغنى، وفقيرا مفرط الفقر، كما ينتج:

أعمى وأعشى ثم ذا ... بصر وزرقاء اليمامه

فذوو السعادة يَضْحكُو ... ن وغيرهم يبكى ندامه

ولم يخلق للآن نظام يعدم هذه الفروق أو يقلها من غير أن يستتبع خطراً أعظم، وداء أعضل.

فاهتدى الناس لتلطيف هذه الفروق إلى المناداة بالكرم والفخر به، ولست أدري أكان أول من نادى به الأغنياء اتقاء لخطر الفقراء، أم الفقراء تعطيفاً لقلوب الأغنياء

وأتت الأديان تدعو إلى الأخُوَة، وخاصة بين أهل الدين الواحد، وتجعل من مستلزمات هذه الأخّوة عطف الغني على الفقير وإشراكه في جزء من ماله، واستتبع ذلك وجود الأديار في النصرانية والتكايا في الإسلام

وكما أنتجت النظم معونة للفقراء وسداً لحاجات المعوزين أنتجت عند بعض الناس تراخيا في العمل، وميلا إلى الكسل واتخاذ الاستجداء حرفة، والتكدي صناعة.

وكثرت جيوش الفقراء فلم تكف النزعات الدينية لسد حاجاتهم، فتدخلت الحكومات تحمل بعض العبء فبنت المستشفيات وأنشأت الملاجئ وما إلى ذلك.

وأتت المدنية الحديثة فأخذت تقوَّم الفضائل من جديد، واستخدمت العلم في هذا التقويم كما استخدمته في كل شيء وكان مما نظمته طرق الإحسان، بل جاء قوم من الفلاسفة متأثرين بمذهب النشوء والارتقاء. وبنظرية الانتخاب الطبيعي وعلى رأسهم (هربرت سبنسر)

<<  <  ج:
ص:  >  >>