للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج:
ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

[عالم الغيب:]

الجن في منطق الأساطير

للشيخ محمد رجب البيومي

أما العامل المادي فقد كان ذا أثر ملموس في شيوع الخرافات حيث كانت البادية مورداً تجاجاً لما انتشر على الألسنة من الأساطير وطالما وفد إليها المتندرون والمتظرفون، يستعلمون ويستنبؤن. وإن أحدهم ليصحب البدوي إلى حاضرته ليقص على أصحابه وذويه ما يتقنه من الترهات إزاء أجر ثمين، وطبيعي أن يلجأ الأعرابي إلى الافتعال، لتنفق بضاعته، فتملأ حقيبته، وهنا يطلق لخياله العنان فيزعم أنه رأى الشيطان مرة فاستضافه وأنشده الشعر، ومرة أخرى فحاربه وصرعه، وكلما كان البدوي شديد المبالغة في حديثه كان أخف موقعاً في القلوب، وأسلس مقادة للعقول، فإذا أخذ نصيبه المادي ورجع إلى خيمته عكف على اعتمال الأباطيل ليكون على أتم استعداد إذا طلب مرة أخرى للسمر والاستمتاع!!.

ويجدر بنا أن نشير إلى ما شاع لدى العرب من تأثير الجن في الأجسام، فإذا مرض منهم مريض لجئوا إلى العرافين ومن بقي من ذوي الكهانات، وهؤلاء لا يرعون في الناس حرمة أو ذمة بل يجسدون الأوهام، ويبلبلون الخواطر، فيزعمون أن بالمريض مساً يجب أن يتدارك، ويطلبون الأجور المرتفعة جزاء ما يقرءون من التعاويذ الكاذبة، وما يصنعون من الرقي الباطلة. وقد يعشق البدوي فتاة تنتزع فؤاده من أضالعه، وتخطف عقله من رأسه، فيأتي به ذووه إلى العراف فيلجأ أيضاً إلى التمائم والتعاويذ، وكأنه يرى مريض القلب لا يختلف عن مريض الجسم، فيجعل الدواء واحداً لكِلا الرجلين، وقل في الجهالة ما تشاء!!.

وقد يبالغ بعض العرافين فيزعم أن الجن تعشق الإنس عشقاً مبرحاً وأن الجنية تلاقي الصد والتيه ما يلقاه الإنسي، فإذا تمكنت الصبوة من فؤادها، سلب رشادها، وتبددت قوتها، فيمر بها قومها من الجن فيسألون عنها، فيقال مسها إنسي كما يقال لم صرع من الإنس مسه جني، والطيب في كلتا الحالتين هو العراف الأثيم!!.

ولا يترك الفقهاء هذا الباب حتى يؤيدوه بما يعن لهم من الأدلة، ونحن نعلم الخلاف

<<  <  ج:
ص:  >  >>