للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج:
ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

[قصة:]

هذيان مجنون!

للأستاذ علي الطنطاوي

ذهبت منذ أيام أزور (المستشفى الإسلامي) الكبير، الذي تعاونت على إنشائه الجمعيات الإسلامية الأربع في دمشق (الغراء، والهداية، والشبان، والتمدن)، فوجدته شيئاً عظيما يرفع الرأس، بناء ضخما يطل على الربوة من هنا ويشرف على سهل المزة من هناك، قد قام حيث كانت تقوم تلك (القلاع العادية)، فكان من تمام نعمة الله علينا به أن تخير له هذا المكان، فأبدلنا بعمارات الموت، وبنايات البلاء، تلك القلاع، هذا المستشفى، بيت الصحة، ودار الشفاء. . .

وجعل المدير، وهو شاب مسلم رضي الخلق، واسع الخبرة، يدور بي في المستشفى، ويمر بي على شعبه، حتى إذا وصلنا إلى جناح الأمراض العقلية قال لي:

- إن هاهنا مريضاً يلح علينا أن ندعوك إليه، وهو لا يفتأ ينادي باسمك ويرجو أن يراك. . .

قلت: ومن هو؟ وما شأنه بي؟

قال: هو شاب مصاب بنوع من الهستريا (الجنسية)، وهو يزعم أنه تلميذك، وأنه وثيق المعرفة بك

فلم أحب أن أخيب رجاءه، وإن كنت لا أدري ما أصنع له، وانطلقت مع المدير حتى دخلت عليه، فإذا هو شاب حديث السن، شاحب اللون، بادي الضعف، شارد النظرات مسجى، لا يبدو منه إلا وجهه، فتاملته. . . فإذا هو قد كان تلميذاً لي، وإذا أنا أعرفه، فسلمت عليه فرد السلام، وابتدرني فقال لي:

- أنت أستاذي، وإني أرتقب مجيئك. إن لي إليك حاجة

فقلت: مقضية إن كنت أقدر عليها

فظهر على وجهه خيال البشر، ولاحت على شفتيه ظلال ابتسامة. . . وقال:

- لقد نعشتني وبشرتني، إن الذي أريده منك، هو أن تعي حديثي وتنشره في الناس، أفلا تقدر على ذلك؟

<<  <  ج:
ص:  >  >>