للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج:
ص:  >  >>

[أبو عمرو بن العلاء]

للأستاذ عبد الستار احمد فراج

(لو كان أحد ينبغي أن يؤخذ بقوله في كل شيء كان ينبغي أن

يؤخذ بقول أبي عمرو بن العلاء)

يونس بن نجيب

القرجة

ما بال هذا الشيخ العلاء بن عمار وأبنه الفتى أبي عمرو يضربان في إحدى صحاري اليمن مصعدين إليها؟

أما أكبرهما فيجلله الشيب ويغشيه الوقار وتنبئ طلعته عن عراقة النسب وكرم النجار وان كانت تبدو عليه رهبة الخائف وخشية المطلوب.

لكن الفتى أبا عمرو - وقد خنق بضعا وعشرين سنة - تتبين في تقاسيم وجهه محايل النجار ولمحات الذكاء، ويطالعك بالبصيرة النفاذة والفكر اللماح، وتتوسم فيه لهفة التعطش إلى انتهال المعارف وارتشاف العلوم.

وبينما الصمت باسط أجنحته على هذا الفضاء المترامي إلا ما تسمعه من همس أخفاف الإبل وهي تلامس صفحة الرمل المنبسطة، انطلق صوت إعرابي يغذ السير وهو ينشد:

لا تضيقن بالأمور فقد تف ... رج غماؤها بغير احتيال

ربما تكره النفوس من الأم ... ر له فرجة كحل العقال

فاقبل الشيخ وهو يغالب لهفة تملك عليه نفسه يسأله عما وراءه فكان جوابه: مات الحجاج.

لك الحمد يا ربي! نطقت بها أسارير العلاء قبل أن يترطب بها لسانه بين فكية، وأخذت وسامة الارتياح تجلو عن صفحته جهامة الإفزاع، وأدار وجه راحلته ليصرفها إلى البصرة بعد أن تقبل التهنئة من فتاه بسلامته من طلب الحجاج مما جعله يركب أهوال الصحراء فيطلب النجاة وقد ضم إليه أبنه خشية أن تمتد إليه يد الإيذاء. أما أبو عمرو فهو - كما يحدث عن نفسه - كان أكثر فرحا بالإنشاد من سماعه بنبأ الوفاة. أليس ذلك الإعرابي يقول: (له فرجة كحل العقال) بفتح الفاء من الفرجة لما كان مخرجا من الهم المعنوي وهو

<<  <  ج:
ص:  >  >>