للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج:
ص:  >  >>

[من رجال البلاغة في عصر الحروب الصليبية:]

ابن الأثير

للأستاذ أحمد أحمد بدوي

أخوة ثلاثة، بلغوا حظاً كبيراً من المجد العلمي، والمنزلة الرفيعة في الحياة، وخلود الذكر بعد الموت. أما أكبرهم فمجد الدين المبارك (٥٤٤ - ٦٠٦هـ) الذي كرس حياته لدراسة القرآن والحديث والنحو، له فيها مؤلفات، لا يزال بعضها باقياً إلى اليوم. وأوسطهم عز الدين علي (٥٥٥ - ٦٣٠هـ) المبرز في التاريخ، والمصنف فيه عدة مصنفات، أهمها الكامل الذي يعد مرجعاً من أشهر المراجع وأصغرهم ضياء الدين نصر الله، الأديب الوزير، وهو الذي يردي الحديث عنه، ومع اختلاف مناحبهم في الثقافة شغفوا جميعاً بالأدب وألفوا فيه. وتحتفظ دار الكتب برسائل المبارك الأدبية، وبكتاب الجامع الكبير في صناعة المنظوم والمنثور لعز الدين. أما أصغرهم فكان أوفاهم حظاً من الأدب وبلوغ أسمى المناصب، وإن قصرت به سياسته عن أن يحتفظ بما ناله من سلطان وجاه.

ولد نصر الله في يوم الخميس العشرين من شعبان سنة ٥٥٨هـ (١١٦٣) بجزيرة ابن عمر، وهي بلدة على دجلة في شمال الموصل وبالقرب منها. وإذا كان التاريخ لم يتحدث عن والده محمد بن محمد بن عبد الكريم فأغلب الظن أنه كان ميسور الحال يسراً هيأ لأولاده أن يغترفوا من الثقافة وأن يتفرغوا لها.

وانتقل نصر الدين مع والده إلى الموصل حيث تثقف بها، فحفظ كتاب الله وكثيراً من الأحاديث النبوية، وأخذ بحظ صالح من النحو واللغة، أما علم البيان فقد خصص له أكثر وقته، ووقف عليه معظم جهوده، قرأ فيه الكتب النظرية، وأقبل على دواوين الشعراء بحفظ منها ما يشاء، فدرس ما ألف في البلاغة، وعرف ما انتهى إليه العلماء فيها؛ ومن أهم ما قرأه منها:

كتاب الصناعتين لأبي هلال العسكري، والتذكرة لابن حمدون البغدادي، وكتاب أبي العلاء محمد بن غانم، والأقصى القريب للتنوخي، وكان معجباً بكتاب الموازنة بين الطائيين للآمدي، وكتاب سر الفصاحة لابن سنان الخفاجيء، (غير أن كتاب الموازنة أجمع أصولاً، وأجدى محصولاً)، كما قال في المثل السائر. أما علمه بالشعر، وحفظه له، فقد قال عنه في

<<  <  ج:
ص:  >  >>