للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج:
ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

[نهاية مأساة. .]

وأخيراً أدركت مصر الرسمية بعد خمس عشرة سنة من سني المهانة والاستكانة أن (المعاهدة) و (الاتفاقية) اللتين تربطانها بإنجلترا في الشمال والجنوب إنما هي كلمتان من لغة سياسية حملهما الاستعمار ما حمل الديمقراطية والحرية والإنسانية والسلام والعدل من معاني المخادعة والمصانعة والمراءاة فجعلها من أسماء الأضداد في لغة الخلق! نعم، أدركت مصر الرسمية اليوم ذلك ووعته بعد أن كابدت ما كابدت من عناد القوم في الحق وصلابتهم في الباطل ومداهاتهم في الرأي، فألغت معاهدة سنة ١٩٣٦ واتفاقيتي سنة ١٨٩٩. ولكن مصر الوطنية أدركت هدف إنجلترا منذ نصبته في ساحة عابدين سنة ١٨٨٢ وظلت تسدد إليه أسهمها التي لا تطيش، من كنائنها التي لا تفرغ! وكان الرسميون يحاولون أن يستروا الضياء عن بصائر الوطنيين ليوهموهم أن هذه الأسهم صواريخ لهو وبهجة؛ وكان الوطنيون يجهدون أن يكشفوا الغطاء عن أبصار الرسميين ليفهموهم أن هذه الصواريخ قذائف دمار وهلكا! وظل الأمر بين الجبهتين على هذه الحال سبعين سنة، تفككت فيها العرى، وتمزقت القوى، وتفرقت السبل، وتباينت الوسائل، وتعارضت الغايات؛ واتخذ المحتل من هذا الخلاف الطويل الوبيل حقلاً مصرياً بذر فيه الفرقة وجنى منه السيادة! ولم تجمع القوتان الرسمية والوطنية على إحراج العدو وإخراجه إلا في اليوم الثامن من هذا الشهر! وهذا الإجماع وحده هو الذي سيقذف ببقايا (دنكرك) في عرض البحر. ولن تستطيع إنجلترا ولو كان معها ظهراؤها الثلاثة أن تثبت أقدامها الرخوة في ثرى النيل ما دامت مصر قد أجمعت على تطهيره منها. وليس للضآلة والقلة دخل في حساب النصر، فإن عشرين مليوناً من البراغيث والعزل جديرة بأن تقض مضاجع الجيش المسلح! فكيف إذا كنا عشرين مليوناً من الأنفس المؤمنة الصابرة التي لا تعرف في يوم الجهاد، إلا إحدى الحسنيين: النصر أو الاستشهاد!

إنا نجود على وباء من الأوبئة بقرابة المليون من الأرواح العزيزة، فهل نضن بمليونين منها على الخلاص من وباء طال حتى أذل، وانتشر حتى أقل، واستشرى حتى برى الأجساد، وهد القوى، وأوهن العزائم، وقطع العلائق، وأفقر الأيدي؟

كان احتلال الإنجليز لوادي النيل مأساة بشرية من نوع عجيب في الطول والفصول والإخراج والتمثيل! كانت من نوع القراقوز المبكي، أخرجها الإنجليز المحتلون من وراء

<<  <  ج:
ص:  >  >>