للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج:
ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

[تعقيبات]

للأستاذ أنور المعداوي

خلف اللثام لمحمود تيمور:

ظاهرة في فن محمود تيمور تتكشف للناقد الذي يتتبع آثاره القصصية بعين لا تنام، فهو في آثاره الأولى غيره في آثاره الأخيرة. . . ولو تناولت إحدى قصصه الطويلة أو القصيرة في بدء حياته الأدبية، لرأيتها تختلف اختلافاً واضحاً عن مثيلتها فيما يكتب من قصص في هذه الأيام. قصاص اليوم يختلف عن قصاص الأمس؛ يختلف عنه في الخامة والأفق، ومنهج التصوير وطريقة التعبير. . . وإذا سألتني أيهما خير من الآخر لقلت لك في غير تردد: قصاص اليوم بلا جدال!

محمود تيمور في إنتاجه القديم كاتب قصة (محلية) وخامة هذا اللون من القصص خامة محدودة إذا ما وزنتها بميزان (العالمية) في الفن. . . أعني أنك لو نقلت أدب تيمور القديم إلى لغة أخرى لما نظر إليه قراء هذه اللغة نظرتهم اليوم إلى أدبه الحديث. أما أفق تيمور فهو على التحقيق أوسع مدى مما كان منذ خمسة عشر عاماً، وكذلك طريقته في رسم الشخوص وتشريح النفوس وانتزاع الحوادث من منابعها الأصيلة. . . وأسلوب تيمور هو الآخر قد انتقل من حال إلى حال؛ لقد كان يميل في سابق أيامه إلى أن يكتب بعض قصصه باللغة الدارجة، ولكنه يعود اليوم إلى حظيرة الفصحى عودة شغف وإخلاص وإيثار، وإذا القصة على سنان قلمه قطعة أدبية رائعة تزخر بإشراق اللفظ وسلامة العبارة.

قصاص الأمس متأثر بالقصة الفرنسية، وقصاص اليوم متأثر بالقصة الروسية، والفارق بين القصتين فارق ملموس. . . إذا نظرت في القصة الفرنسية وجدتها تعني في الكثير الغالب بالمفاجأة، ولا تخلو المفاجأة من الافتعال في بعض الأحيان! ومن السمات التي تغلب على القصة الفرنسية السرعة والحركة والمبالغة، ولكن هذه السمات لا تصلح للقصة ذات الفكرة النفسية والسبحات الروحية، تلك التي تحتاج إلى العرض الهادئ المركز المتزن. ولا تعني القصة الفرنسية كل العناية برسم الرتوش الداخلية والخارجية في ثنايا العرض القصصي؛ ونقصد بالرتوش الداخلية ما يصاحب هذا العرض من لقطات تصويرية للنفوس والشخوص، أما الرتوش الخارجية فنعني بها تلك الظلال التي تلف الفكرة القصصية

<<  <  ج:
ص:  >  >>