للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج:
ص:  >  >>

[مظاهر العبقرية في الحضارة الإسلامية]

للأستاذ خليل جمعة الطوال

- ٢ -

عندما فتح العرب جنوب أوربا واستولوا على جزرها المشهورة وعلى ربوع الأندلس، انتشرت لغتهم في جميع هذه الأقطار، وخاصة في شبه جزيرة أسبانيا ومنورقة، وميورقة وجزائر الباليار وصقلية، واقريطش وما إليها.

وبلغ من شان العربية في أسبانيا أن اضطر أباء الكنيسة إلى نقل صلواتهم وأدعيتهم أليها ليحسن فهمها المصلون الذين كانوا قد زهدوا في اللغة اللاتينية ومالوا عنها إلى اللغة العامة وهي العربية، يتدارسون بيانها وقواعدها، ويحفظون أشعارها وطرائفها، وظلت العربية هي اللغة الرسمية في تلك الربوع حتى جلاء العرب عنها عام ١٠١٦ هـ. وقد وجد المنقبون نحو آلفي صك كتبها سكان تلك البلاد الأصليين باللغة العربية. وفي مكتبة الأسكوريال في أسبانيا حتى يومنا هذا معاجم يونانية عربية، ولاتينية عربية وعربية أسبانية تدل أوضح دلالة على ذلك العصر العربي الزاهر.

وفي اللغة الأسبانية الحاضرة كلمات عديدة تبدأ بال التعريف العربية، وفي ذلك ابلغ شهادة على تأثر اللغة الأسبانية باللغة العربية. إذ أمدتها بآلاف المفردات التي لا غنى لها عنها في التعبير، ولم يقف نفوذ اللغة العربية عند هذا الحد بل تعداه إلى بقية اللغات السكسونية والجرمانية الحية، ولهذا فأننا نجد حتى اليوم ألفاظا عربية بليغة في كل من اللغات الإنجليزية والغالية القديمة والألمانية، والهولندية والاسكندنافية، والروسية والبولندية، واللغات الصقلية الأخرى.

ومما تدل عليه الإحصاءات الدقيقة أن ثلاثة آلاف كلمة عربية قد دخلت اللغة البرتغالية، وان ربع الأسبانية الحديثة مأخوذة من العربية، وان تسعمائة كلمة من اللغة العربية أيضا قد أدخلها الفرنسيون في لغتهم وتضم الإنكليزية كذلك مثل هذا العدد من الألفاظ العربية.

ومن الغريب حقا أن نجد أمما غير عربية ما زالت حتى عصرنا الحاضر أما تتكلم اللغة العربية وتكتبها في جميع معاملاتها، أو أنها تكتب لغتها بالحرف العربي، وما زالت العربية حتى يومنا هذا شائعة ومحكية في معظم أطراف السينغال، والسودان الفرنسي، والنيجر،

<<  <  ج:
ص:  >  >>