للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج:
ص:  >  >>

[طرائف من العصر المملوكي:]

أدب الحرب

للأستاذ محمود رزق سليم

ما أكثر امتلاء العصر المملوكي بالحروب الخارجية، وما كان أسرع ملوكه وأمراءه إلى تلبية ندائها كلما دعت، والاستجابة لها كلما أهابت. ومن يتضح تاريخ هذه الحقبة الفريدة من تاريخ مصر يجد أن جيشها كان يكافح عدوين لدودين طاغيين معتديين، هما التتار والفرنجة. ولم يكن في كفاحه متجنياً ولا معتدياً، وإنما كان يذود عن ممتلكات مصر وأرض المسلمين ومقدساتهم. فلم تكن حروبه حروب أطماع وأهواء، ولكن حروب دفاع ورد اعتداء. فهي حروب مشروعة لها سند من الدين والعقل والقانون.

أما التتار فكانوا في بداءة أمرهم وفي جملته، وثنيين جهلاء، وسفاكين للدماء. وما دفعهم من أقاصي بلادهم في آسيا، إلا حسب الفتح والاستعمار. وما أشبههم في العصر الحديث - لا بألمانيا وحدها - ولكن بكل دولة من تلك الدول الكبرى الفاغرة فاها للشرق وخيرات الشرق تبغي استلابها والتهامها، استلاب اللصوص والتهام القطاع. وكان يظن أنهم القوة لا تهزم، فكفكف المماليك غربهم، وفلوا سيوفهم، وردوهم داحرين على أعقابهم في جملة مواقع حاسمة قاصمة. وزالت بذلك خرافة قوتهم.

أما الفرنجة فقد حركتهم إذ ذاك أطماع استعمارية كذلك، وشنوا الحروب على سواحل البحر الأبيض الشرقية تحت ستار من المسيحية - والمسيحية الطاهرة منهم براء - وكانت هذه السواحل من شمال البلا الحلبية إلى الشامية إلى الفلسطينية في جملة ممتلكات مصر، يعيش فيها جميعاً شعب واحد متحد المشارب مجتمع الأهواء متجانس المقومات، له دينه ولغته وجنسه وتقاليده وله مشاعره المتشابهة ومصالحه المشتركة. فذاد عنها سلاطين مصر الأباة، عارفين للدين حرمته، وللوطن كرامته، ودافعوا عنها دفاع المستميت، لا ونى ولا وجل.

وإلى جانب ذلك كله كانت لهم حروب أخرى بعضها لتأديب أمير شق عصا الطاعة، أورد عدوان جار من جيرانهم، أو نحو ذلك. وأبدى كثير منهم سلاطين وأمراء وجنوداً ضروباً من الشجاعة خارقة.

<<  <  ج:
ص:  >  >>