للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج:
ص:  >  >>

[الأدب في سير أعلامه:]

ملتن. . . .

(القيثارة التي غنت أروع أناشيد الجمال والحرية والخيال. .)

للأستاذ محمود الخفيف

- ٣٠ -

البطل الضرير:

وكان ينتاب الشاعر الحزن على فقد بصره الحين بعد الحين وذلك كلما أحس الوحدة قاسية موحشة بعد فقد زوجته الثانية والظلمة محيطة به وبنياته لا يملكن لأبيهن ولا لأنفسهن عوناً ولا نفعاً، ولقد كان يتمهن وهن زغب الحواصل وأبوهن ضرير، لا يرى في وجوههن رضاءهن إذا رضين ولا ألمهن إذا ألمن، من أكبر بواعث حزنه وغمه. .

ولكنه كان يعتصم بالحكمة أن يهن أو يتخاذل عزمه أو يتزايل وقاره، وكان يلوذ بالشعر فيجد فيه ما ينشد من عزاء لروحه، بل لقد كان والظلام والغم يعتورانه يجد فيه الأنس ما يكاد يحس معه مثلما يحس الناس في الحياة لنفوسهم من بهجة؛ وبحسب المرء أن يذكر هذا، وأن يذكر كيف بلغ مع ذلك بقصيدته الكبرى مبلغاً تتقطع دونه الآمال، وقد توالت عليه ألوان غير هذه من الشدائد، ليرى مقدار أصالته في الشعر ومبلغ تعلقه بفنه ومدى إخلاصه له؛ والحق أنه إن كان ثمة رجل له مما حاق به أكبر المعذرة عن القعود عما نهض له فلن يكون هذا الرجل إلا ملتن، ومن لقي من الحياة مثلما لقي؛ ولكنه لم يقعد بل لم تزده المحن إلا صبراً وإقداماُ. فدل بذلك على أنه من الأفذاذ القلائل الذين تتضاءل الدنيا في نظرهم وتتحاقر تلقاء ما يسعون إلى بلوغه من نبيل الغايات. .

وضايقه يومئذ من ابني أخته أن سارا على نهج غير نهجه في الأدب والفن وسلكا سبيلاً غير سبيله، بل لقد كان ذلك يكربه أحياناً إذ يحس الفشل حتى في هذا، فلقد قام على تربيتهما بنفسه وتوجيههما الوجهة التي يريد، فلما كبرا كرها التزمت والمزيد من الجد والاحتشام، وبرما بالبيوريتانية الجافة التي تبدو لهما كالشجرة جردت من كل ثمرة وكل زينة وإن بقيت قوية الجذع والأغصان فما ترى العين من معاني الشجرة فيها إلا القوة

<<  <  ج:
ص:  >  >>