للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج:
ص:  >  >>

[العبقرية والحرمان]

للأستاذ أنور المعداوي

خطر لي أأتعقب بعض العبقريات في أدب العالم لأرى إلى مدى يمكن أن ينتج العباقرة في ظلال الحرمان. . . ولعل شيخاً من شيوخ الأدب هو الذي دفعني إلى أن أقف من هذا الموضوع موقف الباحث المتأمل، حين ذهب في مجلس جمع بيني وبينه إلى أن الحرمان يلهب فيلهم، وأنه أكثر إثارة لمكامن الشعور في النفس الإنسانية مما عداه من أسباب الترف والنعيم. . . ولم يستعرض الأستاذ يومئذ بعض النماذج الإنسانية في الأدب العالمي ليدلك على مقدار ما في هذا الرأي من صواب، ومدى ما فيه من حقيقة؛ ذلك لأن الحديث كان حديثاً عابراً يأخذ بطرف من هنا وطرف من هناك، ولا يكاد يستقر على ناحية بعينها ليناقشها في صبر وأناة.

وانفض المجلس، وخلوت إلى نفسي أقلب الرأي على وجوهه المختلفة. لقد كانت جذوره متأصلة في نفسي ولكنها كانت تترجح بين الشك واليقين. . أما اليقين فمرجعه إلى أني كنت أومن إيماناً عميقاً بأن الحرمان كما قال محدثي، أكثر إثارة لمكامن الشعور في النفس الإنسانية مما عداه من أسباب الترف والنعيم، وكنت أرى أن الفنان الذي يعيش في رحاب الحرمان يعيش متوثب الشعور دائماً، تلتهب أفكاره من وقدة العاطفة واشتعال الوجدان ولا كذلك الفنان المترف، لأن الترف في أكثر حالاته أقرب إلى الدعة والخمول، منه إلى سبرغور أو بلوغ أعماق.

هذا ما كنت أراه، ولكن الشك الذي كان يلوح بين ثنايا اليقين مرجعه إلى أني حين رحت أستعرض بعض النماذج في أدب العالم، وجدت أن بعض هذه النماذج يهز جانباً من جوانب اليقين الذي كان متأصلا في نفسي. . . إن تولستوي في الأدب الروسي مثلا قد وصل إلى أرفع درجات المجد الأدبي وهو يعيش عيشة الأثرياء المترفين، وإن بيرون في الأدب الإنجليزي قد أبدع أعظم آثاره الفنية وهو يتقلب في بحبوحة من العيش لا تتهيأ إلا لمن كان في مثل مركزه الاجتماعي الرفيع، وتستطيع أن تضيف إليهما بلزاك في الأدب الفرنسي، فقد كان يحيا حياة مترفة أثقلت كاهله بالديون، إلا أنه لم يستطع أن يخرج للناس أروع آثاره القصصية إلا في تلك الساعات التي كان يقبل فيها على متع الحياة وتقبل عليه.

<<  <  ج:
ص:  >  >>