للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج:
ص:  >  >>

[الأدب الإغريقي]

في عصر الإسكندرية

للدكتور محمد مندور

خلصنا من المقال السابق إلى أن الأدب الإغريقي في عصر الإسكندرية كان كنبات في بيوت من زجاج، فهو بمعزل عن الفضاء الطلق حيث تهب نسمات الحياة منبعثة عن الشعب. ومع ذلك فالنبات - كما قلنا - لم يذو كله وإن شحبت نضرته وقل ماؤه

ولما كانت ملابسات الحياة لم تدفع إلى فن أدبي بذاته، ولا غلبت فناً على فن. فقد كتب أدباء ذلك العصر في كافة الفنون. ولكنني لا أستطيع أن أقف مع القارئ عند كل منها، ولقد سئمت القبح حتى أعود استخرجه من بطون الكتب. وأي خير في أن أطلعك على شعر أو نثر ترى فيه مدح الملوك قد حل محل الوطنية، والتملق محل حرارة القلب، والخرافة محل الإيمان، والتعلق بالخوارق محل تبجيل الآلهة، ثم التفيقه والتبجح بالمعرفة المحصلة المكتسبة محل استطلاع المجهول والحرص على الفهم الصحيح. وإنما أقف بك حيث يعود هذا الأدب فيتصل بالحياة وإذا بالجمال يشرق في نواحيه. أقف عند نفس تفتحت للحب فتذوقت حياة الريف وأنشدت مع الرعاة أناشيدهم. أقف عند نفس تحن إلى الماضي فتستنشق شذاه أو تمعن في الحاضر فترصد أحداثه وقد نطقت بأسرارها

شعر المقطوعات

ولنبدأ بشعر المقطوعات وهي قطع شعرية صغيرة لا تكاد تعدو العشرين بيتاً، ولكنها كثيرة العدد حتى لتملأ أكثر من مجلد في المجموعة المعروفة (بالمختارات وهي لأكثر من أربعين شاعراً من شعراء ذلك العصر، وإن يكن معظمهم من ضعاف الشعراء. ومع ذلك فمن بينهم من تطرب النفس لشعره طرباً حقيقياً. خذ مثلاً الشاعر ألكبيادس الساموسي تجد له ما يقرب من ثمان عشرة مقطوعة شديدة الشبه بشعر أليسه وسافو:

(اشرب يا ألكبيادس. لِمَ هذه الدموع؟ أية محنة قد أصابتك؟! لست الوحيد الذي اتخذت منه كبريس إلهة الحب) فريسة. لست الوحيد الذي أردته سهام إيروس القاسي. لِمَ تدفن نفسك في التراب؟! لنشرب نبيذ ياكوس ضافياً. هاهو الفجر ينبثق. إذا كان المصباح قد انطفأ

<<  <  ج:
ص:  >  >>