للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج:
ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

[الطابع القومي]

في الثقافة الأزهرية

(ألقيت في اليوم الأول من أيام المؤتمر الثقافي العربي الثاني

للدكتور محمد البهي

هناك في التوجيه التربوي نظرتان مختلفتان، أو اتجاهان متعارضان: اتجاه يهدف إلى التكتل في نطاق خاص صونا لجماعة معينة أو شعب معين، وهو ما يعرف بالاتجاه القومي؛ وآخر يرمي تحطيم الفواصل الخاصة بين الجماعات أو الشعوب أملا في تحقيق وحدة عامة أو اتخاذ عام بينها، حتى يستقر بين الناس جميعاً ما أعتيد تسميته (السلام العام)، وهذا الاتجاه هو ما يعرف بالاتجاه العالمي في التربية والتوجيه.

ويقال ضد نزعة القومية في التربية: أنها ظاهرة من ظواهر البدائية في الجماعة، لأن مثل هذه النزعة تعتمد على ضرب من المبالغة في تقويم المميزات الخاصة بجماعة ما والرغبة في صيانة هذه المميزات، والتقويم على هذا النحو دخل فيه عندئذ عنصر غير ذاتي، وهو انتساب نوع من الخصائص للجماعة المعينة، ولم يقف حد جوهر الخصائص، والمبالغة في التقويم تنشأ عادة عن في أفق التفكير أو عن سطحية النظرة إلى الأشياء؛ وضيق الأفق، وكذا سطحية النظرة من إمارات البدائية في تفكير الفرد والجماعة.

لكن قد يقال: أن الاتجاه القومي في التربية لا يدل حتماً على بدائية في التفكير، بل قد يصدر عن حاجة قوية في الجماعة إلى تكتل ما أثر شعورها بالضعف والاضطهاد من جماعة أخرى. والالتجاء في مقاومة الضعف أو مدافعة الاضطهاد إلى إذكاء الروح القومية عن طريق التنشئة والتربية لا يعبر عن بدائية، بل بالعكس ينم عن رقي في تفكير الجماعة. إذ الشعور بمعنى الجماعة - وهو الأشخاص والأفراد - واتخاذ وسيلة غير حسية في مقاومة الضعف أو الاضطهاد، وهو وسيلة التربية هنا، يدل على تطور في التفكير.

وسعى كل من المعسكرين السياسيين الشرقي والغربي، أو الشيوعي والديمقراطي، في وقتنا الحاضر إلى التكتل بتنبيه كل منهما إلى مزاياه الخاصة لا يعد ظاهرة من ظواهر البدائية، إذ هو وليد العبقرية السياسية وقيادة الجماعات. وهو فن لم يصل البدائيون بعد إلى إدراكه

<<  <  ج:
ص:  >  >>