للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج:
ص:  >  >>

[محنة مصر محنتنا]

للأستاذ محمد البشير الإبراهيمي

رئيس تحرير (البصائر) لسان جمعية العلماء المسلمين

الجزائريين

تعاني مصر العزيزة هذه الأيام، ما يعانيه الحر الأبي أكره على الضيم، وأريد على ما لا يريد، وجرع السم مدوفا في الحنظل، وقطعت أوصاله وهو يشعر، واستبيحت محارمه وهو يسمع ويبصر حتى إذا استيأس من الإنصاف ونفذ صبره خطا الخطوة الفاصلة، وأقدم على تحطيم القيد بنفسه، وعلى تمزيق الصحيفة التي أملتها القوة على الضعف فقبلها مكرها كمختار؛ وكانت أهون الشرين، فأصبحت - بحكم الزمان - أثقل الخطبين.

سمعت مصر على حل العقدة التي عقدها السيف يوم التل الكبير، وأحكم المكر عقدها بعد ذلك في سلسلة من الأعوام بلغت السبعين، صاحبتها سلاسل من الأحداث والأسباب المصطنعة زادت العقدة تأربا واستحكاما، وسلاسل من الوعود المنومة تكررت فألفت وفقدت التأثير؛ وفتحت مصر عينيها على أفظع ما تفتح عليه العيون: تغرم ليغنم الإنجليز، وتجوع ليشبع الإنجليز، وتموت ليحيا الإنجليز، وينهدم مجدها ليبنى بأنقاضه مجد الإمبراطورية الإنجليزية، ويفرض عليها أن تعيش غريبة في وطنها، وأن تعاون على طمس حضارتها ومسخ عقليتها، والانسلاخ من شرقيتها، والنسيان لماضيها، وأن تنتبذ من أهلها مكانا غربيا. . . وأن تجفف النيل لتفهق به مشارع التاميز. . .

صممت مصر على إحدى الخطتين، فكانت التي فيها الشرف والكرامة، بعد أن استنفدت التجارب، وأستفرغت الجهود، وبعد أن استعرضت الماضي بعبره وشواهده، فرأت أن ساعة من العمل خير من ألف شهر في الكلام، وأنها تمارس خصما إن استنجزته الوعد طاول، وإن تقاصرت أمامه تطاول؛ فخطت هذه الخطوة واثقة مستبصرة، وتركت للأقدار ما وراءها، كما يفعل المظلوم المستيئس من إنصاف ظلمه، ومن نصر النظارة: يركب الحد الخشن، ويعتمد على نفسه، وينادي ربه: (أني مغلوب فأنتصر).

رأت مصر - كما رأينا وكما رأت الشعوب المستضعفة - أن السنة قد انعكست، فأصبحت

<<  <  ج:
ص:  >  >>