للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج:
ص:  >  >>

[الاستعمار الفرنسي في الجزائر]

للأستاذ حسن أحمد الخطيب

الأمة الفرنسية - منذ ثورتها الكبرى قبيل نهاية القرن الثامن عشر - تدعي أنها الحفيظة على الحرية البشرية، وواضعة الحقوق الإنسانية؛ بذلت في سبيلها أغلى المهج والأرواح وسطرتها بدماء أبنائها الأحرار، وأعلنتها دينا ومذهبا في فرنسا، وبشرت بها في سائر الأمم الغربية وغيرها، وزعمت أن غراس الحرية نبت في بلادها، ثم زكا وترعرع، حتى استوى شجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء، تؤتي أكلها كل حين، فيقطف منها الناس جميعا داني الثمر وطيب الجني

ولقد غلت في حبها وأفرطت في تقديسها، حتى اتخذها مفكروها محوراً لتفكيرهم ومصدراً لوحيهم وإلهامهم، وتغنى الخطباء والكتاب والشعراء بالحرية والإخاء والمساواة شعار الثورة ودثارها، ودين فرنسا الجديد وإنجيلها!!

فهل كان ذلك حقا؟ هل كان ذلك ناجما عن خليقة مستعدة للخير وطلب الكمال، أو نخيزة تحفز لرعاية الفضائل، أو قلب مؤمن بأسمى المبادئ، أو عقيدة دفعت المصلحين إلى نقض بناء الظلم وتقويض دعائم الجور والثورة على القاسطين، وتطهير الأرض من الظالمين؟؟

نقول - والأسف يملأ جوانحنا - إن موقدي الثورة وحاملي بنودها والداعين إلى مبادئها، لم يكونوا مؤمنين بها، فلم تخالط بشاشتها قلوبهم، ولم تمتزج بها نفوسهم، إنما هي شقشقة هدرت ثم قرت، وصيحة دوت في الجو برهة ثم لم تنشب أن ذهبت أدراج الرياح، ولم يلبث كبراء فرنسا وحكامها أن عادوا إلى سابق عهدهم، وثابوا إلى ما كانوا عليه من استبداد ظالم، وغشمرية يختفي فيها الحق ويضيع فيها الضعفاء، ورجع الأقوياء فيها أشد صيالا، وأقوى طماحاً، وإلا فما بال الفرنسيين رضوا بنقض عهد الثورة وميثاقها في أنفسهم، وفي أبناء البلاد التي وقعت في حبائلهم، فأذاقوهم عذاب الهون، وصبوا عليهم صواعق غضبهم وهم ما اجترحوا سيئة، ولا ارتكبوا أمراً إداً

ومن هم أولئك الذين يسامون هذا الخسف ويعانون هذا الظلم من مصادرة للحرية، وإنكار للحقوق الشرعية، وهدم لاستقلال البلاد، وإضاعة لمعالم العدل والمساواة؟

هم عرب المغرب ومسلموها في الجزائر وغيرها. هم أنسال أولئك الأمجاد الذين وطنوا

<<  <  ج:
ص:  >  >>