للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج:
ص:  >  >>

[الجبرية والاختيار]

في كتاب الفصول والغايات

(مهداة إلى الأستاذ محمود حسن زناتي)

للأديب السيد محمد العزاوي

- ١ -

. . . وقول الحق أمثل من السكون، واستقامة العالم لا تكون، ولذة الدنيا مقطعة، وخبر الميت غير جلي، إلا أنه قد لقي ما حذر، فاسع لنفسك الخاطئة في الصلاح.

من المسائل التي واجهت الباحثين والفلاسفة منذ زمن بعيد مسألة الجبر والاختيار؛ تكلم فيها اليونان والفرس، ونقلها عن اليونان السريان، وخاض فيها النصارى حينما تفلسفت ديانتهم، وتكلم فيها الكلاميون من المسلمين. وكانت تتلون في مراحلها وتختلف باختلاف هذه المدارس. فإذا تكلم فيها الفلاسفة قصدوا إلى غرض فلسفي بحت: وهو تفسير الكون ومظاهره تفسيرا ما؛ وإذا تكلم فيها الأخلاقيون قصدوا إلى غرض اجتماعي: هو النظر في المجتمع ونقده، وإصلاحه أو محاولة ذلك؛ وإذا تكلم فيها أهل الدين فإنما يلتمسون من بحثها تخريجات تبرر مسئولية الفرد عن أعماله، وتقيم فكرة البعث والحساب والعقاب على أسس تختلف قوة وضعفاً.

والفلاسفة يعنيهم أن يتفهموا الكون وحركاته، كل ما يجرى فيه اهو ضروري ناتج عن إرادة مسيطرة متصرفة، أم هو نتيجة اتفاق بحت لا يربطه قانون أو تقيده قواعد. وهم بعد ذلك ينتقلون إلى الإنسان مظهر هذه المشكلة اهو مخير فيما يفعل، بمعنى أن لا شئ يمنعه من إتيان عمل ما، أو يدفعه إلى فعله، بمعنى أن أمره موكول إلى إرادته الخاضعة للمؤثرات الخارجية من ظروف وصدف. أم هو مجبر فيما يفعل بمعنى أن قوة تدفعه إلى أن يفعل ما يأتيه مجبرا، فهو كالعالم منضبط بتلك القوة التي تسيطر عليه، خاضع لنفس القوانين التي يخضع لها هذا الكون.

والأخلاقيون يعنيهم البحث في الأفعال الإنسانية من حيث هي صادرة عن التكوين الخلقي للإنسان فقط ولا أثر لعامل خارجي عليها، أو أن النظم الاجتماعية والظروف الطبيعية التي

<<  <  ج:
ص:  >  >>