للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج:
ص:  >  >>

[من مذكراتي اليومية]

حلوان في يوم الأحد ٢ مارس سنة ١٩٤٧:

ذهبت صباح اليوم إلى نبع حلوان الجديد فإذا عليه أمة من الناس يستقون ويشتفون، بعضهم من مخلفي الجيش، وبعضهم من مرفهي العيش، وكلهم من الممعودين أو المكبودين أو الممرورين فلا تعرف في وجوههم نضرة الشباب، ولا على جسومهم بضاضة العافية.

انبجس هذا النبع منذ سنوات في هذه البقعة التي انطمس فيها معنى الوجود فلا حياة ولا موت، ولا سكون ولا حركة، ولا أمس ولا غد، فأصبحت بعد نبوغ هذا النبع وما جر إليها من النفع، مهوى الشعراء ومراد الأصحاء وملاذ المرضى!

كذلك بنو آدم والدنياّ جناب في أجناب! فلولا الينبوع الذي ولد الواحة، والنهر الذي خلق المملكة، والنبي الذي منح الجنادب أجنحة الملائكة، والحاكم الذي وهب الأجداب خصب الفراديس، لما أخلد بعض إلى بعض، ولما امتازت أرض من أرض!

الأرض لولا الرياض واحدة ... والناس لولا الفعَال أمثال

تقطع الناس فرقا حول الينبوع يتساقون أقداحه الفاترات العذاب. وقد لاحظت إن الذي قسم هذا الجمع إلى هذه الفرق إنما هو الدين لا الجنس ولا الوطن ولا اللغة؛ فاليهودي مع اليهودي، والمسيحي مع المسيحي، والمسلم مع المسلم. ينظرون إلى الماء بعين واحدة، وينظرون إلى السماء بعيون متعددة! فأين هذا من اجتماع الحجيج حول زمزم؟ إنهم هناك يجتمعون على ينبوع من الإيمان القوي المتحد يجري في أفواههم دعاء وأملا، ويسرى في دمائهم شفاء وقوة.

ذلك ما أكد للمرة السبعين إن الدين أقوى العوامل الروحية والاجتماعية أثرا في توثيق العلائق بين معتقديه، وتوهينها بينهم وبين منكريه. فإذا شاء ربك أن يجعل الناس أمه واحدة أرسل إليهم ذلك الرجل المنتظر فيجمعهم بالرضا أو بالكره على الدين الذي يكفل التعاون بالمؤاخاة، ويضمن العدالة بالمساواة، ويحفظ الكرامة بالحرية، ويرفع الإنسانية بالإيثار. فإذا ما تم له ذلك عمد إلى سماسرة الدين وتجار السياسة وعباد الطمع فأقام لهم المشانق في الساحات العامة من المدن المقدسة. يومئذ تنكسر حد العصبية، وتنقمع شهوة المنافسة، وتنقطع أسباب الحرب، ويغنى الناس عن هذه المؤتمرات والمجتمعات التي

<<  <  ج:
ص:  >  >>