للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج:
ص:  >  >>

[الأزهر الكبير في طوره الجديد]

- ٢ -

نعم كان الأستاذ الأكبر الشيخ عبد المجيد سليم هو المصلح الذي يرجوه الأزهر وينتظره، لأن الله جمع فيه من المواهب والمكاسب ما لا بد منه لكل مصلح. فهو أزهري مكتمل الأزهرية في دينه وخلقه وعلمه؛ وهو سلفي معتدل السلفية في عقيدته وطريقته وفهمه؛ وهو تقدمي متئد التقدمية في اجتهاده وإصلاحه وحكمه. فإذا أخذوا على الشيخ محمد عبده أنه أنكر القديم، وسبق الزمن، واستكره التطور، وتجاهل العوائق، واحتقر الخصوم، وتحدى الحاكم؛ وأخذوا على الشيخ مصطفى المراغي أنه وصل الأزهر بأسباب السياسة فجمع كما تجمع، وفرق كما تفرق، وصانع كما تصانع، ورأى غاية الإصلاح أن يسترضي الغضبان بالوعود، ويستمهل العجلان بالمنى، فلن يأخذوا على الشيخ عبد المجيد إلا أنه رجل جعل همه للأزهر ووكده للعلم وجهده للدين. ومن استولت على قلبه هذه الأمور امتنع عليه في سبيلها أن يداري في حق أو يهاوي في باطل.

وشيخ الأزهر الجديد خاتم طبقة من العلماء المحققين المتقين كانت لهم في النفوس جلالة، وفي القلوب مهابة، لأنهم حفظوا كرامة العلم فحفظ الناس كرامتهم، واعلوا مكانة الدين فأعلى الله مكانتهم. شهر أيام الطلب بالملكة النادرة في فقه الشريعة، يتعمق أصولها ويتقصى فروعها، ويستبطن دخائلها، بالذهن البارع والفهم الدقيق، فكان مرجع رفاقه في تفسير ما أعضل من المسائل، وتوضيح ما أشكل من التراكيب، وتوجيه ما تعارض من الآراء. يجد في ذلك متعة نفسه ورباضة عقله ومتابعة هواه. وظل شغفه بالبحث وكلفه بالاستقصاء آثر اللذات عنده، وأظهر النزعات فيه، حتى تولى منصب الإفتاء للديار المصرية فصرف هذه القدرة العجيبة إلى استنباط لأحكام الشرعية من مصادرها المتعددة ومظانها المختلفة لكل ما جد من شؤون الحياة وعرض من أحوال الناس، فلم توجه إليه مسألة من مسائل الدين، ولا مشكلة من مشكلات العيش، إلا كان له فيها قول مبين أو رأي منير، حتى أربت فتاويه وحده على فتاوي المفتين جميعا. فلما بلغ سن المعاش نقل مكتب الدرس والبحث والفتوى إلى داره. فكان له كل يوم مجلس حافل يندوا إليه علماء الفقه فيدور عليهم بلفائف التبغ وأكواب الشاي، ثم يقدم إليهم، كتابا من الكتب، أو مسألة من

<<  <  ج:
ص:  >  >>