للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج:
ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

[صور من الحياة:]

ركن يتداعى

للأستاذ كامل محمود حبيب

لست أنسى - يا صاحبي - أنك كنت لي في ميعه الصبا رفيق الروح في وحدة الحياة، وأنيس القلب في وحشة العمر، ونور النفس في ظلام العيش!

لقد كنت آن ذاك فتى مدنيّ النشأة والمزني، تختال في الصحة وترفل في العافية، وتتألق على وجهك سمات النعمة وتبدو على جبينك علامات السعة؛ لا تعوزك المتعة الرخيصة ولا تفتقر إلى اللذة التافهة. وأبوك صائغ ماهر يصوغ من الذهب الدور والأطيان. والصائغ ساحر ينفث في العقد ليخلق لنفسه الثراء والغنى؛ غير أنه مبتلى بالشح، مرزأ بالكزازة، يعروه الجزع من الإنفاق، ويدهمه الخوف من البذل: طبيعة ركبت فيه لأنه يرى الكنز بين يديه وهو يتلألأ بريقاً بخطف البصر والقلب، فيشفق أن تبدده لوثة الكرم أو أن يبتلعه داء السخاء. وهكذا كان أبوك - يا صاحبي - صائغاً يصوغ الثروة ويضن بها على نفسه وعلى أولاده، فما تبض يده بالقرش ولا ينبض قلبه بالشفقة. فأصابك بعض قسوته وبخله. وأحسست أنت بغلظة أبيك دون شحه، لأن أمك كانت إلى جانبكن فاعتراك تكسر وفتور من طول ما دعّك عن نفسه وعن مجلسه فنفرت من دارك وأهلك.

أما أنا فكنت فتى ريفي الطبع قروي المزاج، أسترسل في سذاجة وآخذ في قوة وأدفع في عنف، وأنا إذ ذاك قريب عهد بالمدينة، لم تمسني رخاوة المدينة ولا شملتني طراوة الحضارة. أعيش وحيداً في حجرة وضيعة، أحس الشظف والضياع، لا أجد الرفيق ولا المس الراحة، أتقلَّب بين عناء الدرس وعنت الحياة فلا أتململ ولا أضيق، وأتنسم ريح القرية - بين الحين والحين - على أجد فيها بلاغاً، وانتظر هبّات عطف أبي - بين الفينة والفينة - عسى أن أنشق فيها عطر الشفقة. فتعلمت في وحدتي أول مبادئ الصبر والأنفة، فلقنت من فاقتي أول تعاليم الترفع والكبرياء.

واطمأن قلب إلى قلب، وسكنت نفس إلى نفس، فانطلقنا معا ً - جنباً إلى جنب - نجتاز مراحل الدراسة في غير وناء ولا بطئ، صديقين عاشا في صفاء لم يعكره خصا ولا شابه تدابر، وأنطوت الأيام.

<<  <  ج:
ص:  >  >>