للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج:
ص:  >  >>

[بين الضحك والبكاء]

للدكتور احمد زكي

يسر الإنسان لأمر، لمنظر واقع حاضر يُمتْعُه، أو لذكرى طيبة ماضية يسترجعها، أو لفكرة يؤلفّها خياله لا تتصل إلى الكائن الراهن بسبب، فلا يلبث أن ينتقل هذا السرور الذي بروحه إلى جسده، والوجه أكثر أجزاء الجسد تخصصّاً في إظهار الآثار الروحية، والكشف عن انفعالات النفس الخبيثة، وهو يفعل ذلك بقبض العضل وبسطه، وتقصيره وتمديده، وبالتأليف في كل هذا بين مجموعات منه متخالفة. فقد تنبسط الأسارير، وقد تفتر الشفاه، وقد تنفتح انفتاحاً ويصحبها انطلاق الهواء من الرئة واندفاعه إليها بسرعة تزيد على سرعة الزفير والشهيق كثيراً فتحدث القهقهة. وقد ينقلب سرور النفس إلى ثورة تعم الجسد كله.

وقد حاول كتاب تفسير الضحك. قال أحدهم إنك تنظر لرجل تزل قدمه في الطريق فينقسم إلى أجزاء ثلاثة أو أربعة فتضحك لأنك تقرن نفسك به دون قصد، فتحس بالتفوق والعلو، فيسرك (المجد الذاتي الباغت). وردّ (شوبنهور) أسباب الضحك إلى تناقض بين أجزاء الصورة أو تعارض غير مألوف بين معاني الفكرة الواحدة، على أن يكون إدراك ذلك سريعا. وقال (برجسن): إن سبب الضحك أن تتعطل في المضحوك منه الإرادة اليقظة الموجهِّة القاصدة، فيأتيأفعالا لا هيمنة للعقل عليها، ومثل ذلك الزَّلَق وما يحدث من الغافل الذاهل، ومن السكران الذي فقد السيطرة على أعضائه. كل هذه لا شك أسباب تكون للضحك، ولكن لا شك أيضاً أن هناك أسباباً عديدة أخرى ليس من السهل الميسور تحديدها أو تعريفها.

وبقدر ما تتعد أسباب الضحك تتعدد أنواعه، فالضحكة قد تضيق وقد تستعرض، وقد تسرف في الضيق كما تسرف في الاتساع، وقد تتخذ أوضاعا عدَّة بين هذا وذاك، وهي في جميعها ضحكة بسيطة خالصة نشأت عن سرور بسيط خالص. ولكن قد تكون الضحكة عن ألم شديد وحزن عميق يحدث في النفس توتّرا لابد من إرخائه، وتأزّما لابد من تفريجه، وتركزاً في طاقة البدن لابد من تخفيفه، وضغطاً حاراً تحسه في القلب أو بين الأضلاع لابد من انطلاقه، فان كان معتدل الكم انطلق من مخارجه المعتادة، ومن الشؤون في

<<  <  ج:
ص:  >  >>