للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج:
ص:  >  >>

[٢ - إرهاصات في الجزيرة]

قبيل البعثة المحمدية

للأستاذ الطاهر أحمد مكي

ولكن. . . من أين يستعد المؤرخ للجزيرة العربية حقائق بحثه ومادة موضوعه، وما أثر عن العرب الأول متهالك مضطرب ينقض بعضه بعصا، ويهدم آخره أوله، فأنت أمام سيل متلاحق من القصص والسير، والروايات والأحاديث، إذا أعملت فكرك وعقلك في تمييزه، وجدت أكثره خرافة لا تمت إلى الواقع بسبب، وإنما هو من فعل الوضاع، ترويجا لمذهب، أو دفاعا عن فكرة، أو سنداً لعصبية، أو رغبة ملحة في إضحاك الناس، حين كانت الحياة العربية تموج بهذا اللون من الافتعال والاختلاق، والباقية منه، لا تعطي صورة واضحة محددة، أو توحي بفكرة ثابتة ميقنة، يطمئن إليها الضمير العلمي، حين يعرض لأمر، فيحكم فيه إثباتا أو نفيا. .

ومبعث ذلك كله، أن التاريخ العربي كان يعتمد - إلى ما قبيل العصر العباسي - على المشافهة والرواية، وهي عرضة للتصحيف والتحريف، والزيادة والنقص، والضياع والنسيان، عند كل أمة وفي أي شعب، فلا إجحاف إذن حين يمسك الباحث، فلا يندفع مصدقا، ولا بدع أن ظل العرب حتى الرسالة المحمدية ومطلع الإسلام، شعبا بلا تاريخ!

كان القدماء عربا يتعصبون للعرب، أو كانوا عجما يتعصبون على العرب، فلم يبرأ علمهم من الفساد، لأن المتعصبين للعرب غلوا في تمجيدهم وإكبارهم فأسرفوا على أنفسهم وعلى العلم، ولأن المتعصبين على العرب غلوا في تحقيرهم وإصغارهم فأسرفوا على أنفسهم وعلى العلم أيضاً. . .

صحيح أن هذه القصص وما صيغ من أساطير، تتصل بعادات العرب وطباعهم، تلقي إشعاعا قويا على حياتهم ومعاشهم، لأن الوضاع وهم أقرب عهدا بهم، وأكثر علما بما كان عليه أسلافهم، اجتهدوا ما وسعهم الجهد، واحتالوا ما واتتهم الحيلة في أن يجعلوا هذه الصور واقعية، أو قريبة الشبه بالواقع، حتى لا ينكشف أمرها، فتضيع الفائدة المرجوة منها، ولكن الصحيح أيضاً، أن الصورة تكشف فيما تكشف عن نفسية المصور، وأن الرواية تتأثر فيما تتأثر بأخلاق الواضع، وتفاعلات المجتمع الذي عاش فيه. . .

<<  <  ج:
ص:  >  >>