للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج:
ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

[حديث رمضان]

للأستاذ علي الطنطاوي

(أهديه إلى روح شاعر الروح، وأديب الشرق محمد إقبال)

علي

صدقوني أني لم أجد أشق على من هذا الحديث

كيف أشق بصوتي عجيج المعامل، وضجيج المصافق وصياح الملاهي والحانات؟

كيف أخاطب خطاب الروح من لا يعيش إلا للجسد، وأحدث حديث الآخرة من لا يؤمن إلا بالدنيا؟ كيف أنه جاء من التراب، وسيعود إلى التراب، من نقر الصخر، ونقل البحر، وخرق الأرض، وركب الهواء، وفجر الذرة، وأنطق الجماد، فامتلأ كبراً وغروراً، حتى نسى من خلقه، فقال: أنا ربكم الأعلى؟!

ومن جعل من الحديد والنحاس آلات لها لسان، فيه أجلى البيان، وأذنان تسمعان، ما لا تسمع الآذان، وعقل يحسب ما يعجز عن حسابه عقل الإنسان؟

نعم، إنكم تستطيعون أن تصنعوا من المادة تمثالا على صورة الحبيبة، له لونها ولينها، وله رائحتها وحرارتها، وأن تلمسوه بأيديكم، وتسمعوا معه صوتها من الراد، وتروا صورتها في الرائي، فتشغلوا حواسكم الثلاث بها، ولسانكم بمناجاتها، وعقلكم بتصورها، ولكن هل يغنيكم ذلك عن جسدها النابض بالحياة؟

هل تجدون في ذلك لذة الوصال؟

كلا. إنكم صنعتم الجسد، ولكنه كان جسداً بلا روح. وكذلك كانت حضارتكم

لقد ملكتم عالم المادة، ولكنكم خسرتم عالم الروح تقولون: ما عالم الروح؟

أما قمتم مرة في هدأة الليل، فتأملتم صفاء السماء ولمعة النجم، فأحسستم في قلوبكم بعظمة الكون؟

أما سمعتم مرة نغمة عذبة تسري في جنبات الليل سريان الصحة في الأجسام، فحلمتكم نبراتها إلى أودية الأحلام؟

أما قرأتم مرة قصة فوجدتهم لها ختمتموها أنكم فقدتم شيئا، وأحسستم في نفوسكم فراغاً، وأنكم هبطتم من الفضاء الواسع إلى أرض الواقع؟

<<  <  ج:
ص:  >  >>