للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج:
ص:  >  >>

[من وراء المنظار]

أنا وكيل نيابة. . .!

أعيذ فطنتك أيها القارئ أن تحسبني ظفرت فجأة بهذا المنصب الخطير الذي يجعل لي من السلطان أن أقبض على من أشاء في أي وقت أشاء، فما كنت وربك إلا صاحب هذا القلم المتواضع وصاحب هذا المنظار اللعين الذي يأبى إلا أن يقع بي على ما لست أحب. . . ولكنه عنوان اقتضاه المقام.

هذه مواقف ثلاثة من مواقف التحمس، ولكنه تحمس رسمي والعياذ بالله، فيه قبض وتحقيق وحبس، أو هكذا ظهر لي ولمن شهده من الناس. ولقد سمعت هذه العبارة التي جعلتها عنواناً لكلمتي هذه بنصها وحروفهاً في كل من هاتيك المواقف الثلاثة.

شهدت الموقف الأول وسمعت هذه العبارة وهممت أن أكتب ولكني آثرت العافية وأنف المنظار في الرغام؛ ثم لم يكد يمضي يومان حتى وقع منظاري على الموقف الثاني وسمعت نفس الكلمة، فجمعت أطراف شجاعتي، ولكني ما كدت أشرع القلم حتى عدت فآثرت العافية واستعذت بالله من الشيطان الرجيم. . . ويأبى منظاري اللعين إلا أن يريني الموقف الثالث حيث سمعت العبارة بنصها، وعندئذ لم يبق لي إلا أن أشهد على نفسي بالجبن أو أكتب، فآثرت الثانية، فوالله للضر مع الشجاعة خير من العافية مع الجبن. وما كانت العافية لتدوم يوماً لجبان. . .

أما الموقف الأول فكان في عاصمة إحدى المديريات، وهناك سيارة عامة كبيرة، لا يريد سائقها أن يبرح بها مكانها إلا أن تمتلئ بالركاب حسب العدد المقرر، ولم يكن ينقصه لمتلئ إلا ثلاثة أو أربعة؛ وجاء شاب حدث في نحو الخامسة والعشرين يخطر في مشيته خطرة من يريد أن يشعر الناس بعظم مكانته، وكان الوقت موعد الانصراف من الدواوين، فما أن وضع رجله على سلم السيارة ليركب حتى أهاب بالسائق أن ينطلق بالسيارة فم أثبت في وجهة نظرة حادة إذ رأى منه شيئاً من عدم المبالاة؛ ورد السائق بقوله (حاضر لما يتم العدد)؛ وثار الشاب وصاح بالسائق: (هيا. اسمع الكلام)؛ ولم يزد السائق على أن ينظر إليه متعجباً؛ ودق الشاب بيده على زجاج السيارة وهو يقول في تحمس شديد (أتدري من يكلمك؟ أنا وكيل النيابة الـ. .) وقال السائق وقد داخله شيء من الرهبة (يا سيدي حاضر

<<  <  ج:
ص:  >  >>