للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج:
ص:  >  >>

[٣ - حسن البنا الرجل القرآني]

بقلم روبير جاكسون

للأستاذ أنور الجندي

. . . في الأزقة الضيقة، في أحشاء القاهرة، في حارة الروم، وسوق السلاح وعطفة نافع، وحارة الشماشرجي. . بدأ الرجل يعمل، وتجمع حوله نفر قليل؛ وكان حسن البنا الداعية الأول في الشرق، الذي قدم للناس برنامجا مدروسا كاملا، لم يفعل ذلك أحد قبله؛ لم يفعله جمال الدين ولا محمد عبده، ولم يفعله زعماء الأحزاب والجماعات التي لمعت أسماؤهم بعد الحرب العالمية الأولى. .

. . وأستطيع بناء على دراساتي الواسعة أن أقول إن حياة الرجل وتصرفاته كانت تطبيقا صادقا للمبادئ التي نادى بها.

وقد منحه (الإسلام) كما كان يفهمه، ويدعو إليه، حلة متألقة، قوية الأثر في النفوس، لم تتح لزعماء السياسة ولا لرجال الدين!

لم يكن من الذين يشترون النجاح بثمن بخس، ولو بجعل الواسطة مبررة للغاية، كما يفعل رجال السياسة، ولذلك كان طريقه مليئا بالأشواك، وكانت آية متاعبه أنه يعمل في مجرى تراكمت فيه الجنادل والصخور، وكان هذا مما يدعوه إلى أن يدفع أتباعه إلى التسامي ويدفعهم إلى التغلب على مغريات عصرهم، والاستعلاء على الشهوات التي ترتطم بسفن النجاة فتحول دون الوصول إلى البر.

كان يريد أن يصل إلى الحل الأمثل، مهما طال طريقه، ولذلك رفض المساومة، ولغي من برنامجه أنصاف الحلول، وداوم في إلحاح القول بأنه لا تجزئة في الحق المقدس في الحرية والوطنية والسيادة. . وكان هذا مما سبب له المتاعب والأذى.

واستدعى بعض من حوله الثمرة، وعجزت أعصابهم عن أن تقاوم البريق، فسقطوا في منتصف الطريق ومضى الركب خفيفا.

كان يؤمن بالواقعية ويفهم الأشياء على حقيقتها، مجردة من الأوهام، وكان يبدو - حين تلقاه - هادئا غاية الهدوء وفي قلبه مرجل يغلي، ولهيب يضطرم؛ فقد كان الرجل غيورا على الوطن الإسلامي، يتحرق كلما سمع بأن جزءاً منه قد أصابه سوء أو ألم به أذى، ولكنه لم

<<  <  ج:
ص:  >  >>