للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج:
ص:  >  >>

[من عيون الأدب الغربي:]

حديقة أبيقور لأناتول فرانس

بقلم الأستاذ بولس سلامة

تمهيد:

كان اناتول فرانس كاتباً شديد الشك، شديد السخرية، متشائماً هداماً. ولا غرابة فقد أنجبته فرنسا التي أنجبت من قبله فولتير إمام الشاكين في زمانه وفي كل زمان.

وأناتول فرانس كفولتير يتخذ السخرية طريقاً لإصلاح المجتمع والمعتقدات والناس. ويشترك معه في هذه الصفة الكاتب الإنكليزي (شو) إلا أن (شو) يكتب بأسلوب العلماء وأناتول فرانس يكتب بقلم أسلست له اللغة وطاوعه البيان فجاءت كتاباته آية من آيات الأدب الرفيع. وفي حديقة أبيقور يتجلى شك أناتول فرانس وتهكمه وتشاؤمه ويتجلى فنه الرائع وأسلوبه الشيق البديع وقد اقتطفنا لك من هذه الحديقة باقة صغيرة إن أعجبك رواؤها وشذاها فادخل الحديقة وشاهد وتأمل. . .

الهناء والشفاء:

كنت أقرا كتاباً لشاعر فيلسوف تخيل فيه جيلاً من الناس خلت قلوبهم من الهم والسرور والعناء.

ورجعت من هذه الحياة المثلى التي تخيلها الشاعر الفيلسوف إلى عالمنا هذا حيث يكافح الإنسان ويشقى ويتألم ويحلم فعجبت كيف يضطرب قلب الإنسان حنيناً إلى مشاركة هؤلاء في كفاحهم وشقائهم وآلامهم وأحلامهم. ففي هذه الحالة - وفيها وحدها - يجد الإنسان نبعاً من الغبطة لا ينضب

ولقد قنعت بعد قراءته بنصيبي المتواضع في هذه الأرض ورضيت عن نفسي وإخواني الذين يشاركونني هذا النصيب المتواضع الصغير. بل اقتنعت بأننا في شقائنا أنبل من هاته الخلائق التي يرسمها هؤلاء الفلاسفة الحالمون بلا ألم ولا شقاء.

إننا إذا اقتطعنا الألم والعواطف والأهواء من حياة الناس اقتطعنا معها الشعر والفن وكل شيء جميل. وكيف يشعر الشعراء في عالم لا ألم فيه ولا حرمان ولا شقاء؟ انهم يغمضون

<<  <  ج:
ص:  >  >>